تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ولما كان خروج التمثال عقب إلقائه ، جعل كأنه المتسبب في ذلك ، فقيل مع العدول عن أسلوب التكلم استهجانا لنسبة أمر العجل إلى المتكلم :
فَأَخْرَجَ لَهُمْ
أي لمن شربه وعبده ، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام من لم يعبد العجل ، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك على البراءة منه والاستقذار له . ولما كان شديد الشبه للعجول ، قيل :
عِجْلًا
وقدم قوله :
جَسَداً
لنعرف أن عجليته صورة لا معنى - على قوله :
لَهُ خُوارٌ
لئلا يسبق إلى وهم أنه حي ، فتمر عليه لمحة على اعتقاد الباطل
فَقالُوا
أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه :
هذا
مشيرين إلى العجل الذي هو على صورة ما هو مثل في الغباوة
إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى * فَنَسِيَ *
أي فتسبب عن أنه إلهكم أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره ، أو نسي أن يذكره لكم . ولما كان هذا سببا للإنكار على من قال هذا ، قال :
أَ فَلا يَرَوْنَ
أي أقالوا ذلك ؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية ( أن ) أي أنه لا
يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا *
والإله لا يكون أبكم
وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا
فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفا من ضره
وَلا نَفْعاً *
فيقولوا ذلك رجاء له . ولما كان الذنب مع العلم أبشع ، والضلال بعد البيان أشنع ، قال عاطفا على قوله
قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ
أو على قوله
« قالُوا ما أَخْلَفْنا »
:
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ
أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده . ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان ، قال :
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل رجوع موسى ، مستعطفا لهم :
يا قَوْمِ
ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم ونظرهم فقال :
إِنَّما فُتِنْتُمْ
أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه وثباتكم عليه
بِهِ
أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة . وأكد لأجل إنكارهم فقال :
وَإِنَّ رَبَّكُمُ
أي الذي أخرجكم من العدم ورباكم بالإحسان
الرَّحْمنُ
وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة ، فليس على بر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل ، وهو كذلك بعده . ومن رحمته قبول التوبة ، فخافوا نزع نعمه بمعصيته ، وارجوا إسباغها بطاعته
فَاتَّبِعُونِي
بغاية جهدكم في الرجوع إليه
وَأَطِيعُوا أَمْرِي *
في دوام الشرف بالخضوع لديه ، ودوام الإقبال عليه ، يدفع عنكم ضيره ، ويفض عليكم خيره . ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار عليه ، قيل :
قالُوا
بفظاظة وجمود :
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ
أي على هذا العجل
عاكِفِينَ
أي