كان ابن عباس رضي اللّه عنهما ينشد الشعر ويستنشده في المسجد ، وروى الإمام أحمد حديث كعب هذا ، وروى النسائي برجال احتج بهم مسلم عن أنس رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم . قال البغوي : وروي أنه - أي ابن عباس رضي اللّه عنهما دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها :
أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر * غداة غد أم رائح فمهجر
وهي قريب من تسعين بيتا ، فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة واحدة ، ويكفي الشاعر في التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر فيشغله عن الذكر حتى يكون من الغاوين ، وليس من شرطه أن لا يكون في شعره هزل أصلا ، فقد كان حسان رضي اللّه تعالى عنه ينشد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل قوله في قصيدة طويلة مدحه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها :
كأن سيبئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع ، وهذه القصيدة قالها حسان رضي اللّه تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة القضاء سنة سبع ، فهي مما يقول الشاعر ما لا يفعل .
ولما عرف سبحانه بحال المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر ، أتبعه ما حملهم على الشعر من الظلم الذي رجاهم النصر فقال :
وَانْتَصَرُوا
أي كلفوا أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
أي وقع ظلم الظالم لهم بهجو ونحوه .
ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالم ، وكان البادىء - إذا اقتصر المجيب على جوابه - أظلم ، وكان - إذا تجاوز - جديرا بأن يعتدي فيندم ، حذر اللّه الاثنين مؤكدا للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به لأنك لا تجد أهيب منه ، ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين ، ولا أصدع لأكباد المتدبرين :
وَسَيَعْلَمُ
وبالتعميم في قوله :
الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي كلهم من كانوا ، وبالتهويل بالإبهام في قوله :
أَيَّ مُنْقَلَبٍ
أي في الدنيا والآخرة
يَنْقَلِبُونَ *
وقد انعطف آخرها - كما ترى بوصف الكتاب المبين بما وصف به من الجلالة والعظم بأنه من عند اللّه متنزلا به خير