تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 54 إلى 56 ]

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 55 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) ولما نبه على خداعهم ، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم ، وإلى قبول شهادة التوسم فيهم ، أمر بترغيبهم وترهيبهم ، مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم فقال :
قُلْ أَطِيعُوا
أيها الذين أقروا بالإيمان
اللَّهَ
أي الذي له الكمال المطلق
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي الذي له الرسالة المطلقة ، ظاهرا وباطنا لا كالمنافقين
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي توجد منكم التولية عن ذلك عصيانا له ولو على أدنى وجوه التولية - بما أشار إليه حذف التاء ، تضلوا فلا تضروا إلا أنفسكم ، وهو معنى قوله :
فَإِنَّما عَلَيْهِ
أي الرسول
ما حُمِّلَ
أي من التبليغ ممن إذا حمل أحدا شيئا فلا بد من حمله له أو حمل ما هو أثقل منه
وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ
من القبول ، وليس عليه أن يقسركم على الهداية ؛ وأفهم بقوله :
وَإِنْ تُطِيعُوهُ
أي بالإقبال على كل ما يأمركم به
تَهْتَدُوا
أي إلى كل خير أنه لا هداية لهم بدون متابعته ؛ روى عبد اللّه ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال على المنبر : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللّه ، والتحدث بنعمة اللّه شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب » قال : فقال أبو أمامة الباهلي رضي اللّه عنه : عليكم بالسواد الأعظم ! قال : فقال رجل : ما السواد الأعظم ؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ
« 1 » . ولما كان ما حمله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مبهما ، عينه بقوله :
وَما عَلَى الرَّسُولِ
أي من جهة غيره
إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
أي التبليغ الذي يحصل به البلاغ من غير شك ، إما بالإيضاح وحده أو مضموما إلى السيف فما دونه من أنواع الزواجر . ولما لاح بهذا الإذن في الكف عن قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمنافقين لئلا يقول الناس : إن محمدا استنصر بقوم ، فلما نصره اللّه بهم أقبل يقتلهم . فيمتنع من يسمع ذلك من
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 278 عن النعمان بن بشير رضي اللّه تعالى عنه ، وقد تقدم تخريج لفظة « ومن لم يشكر الناس . . » .