إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حيّ في حال حياته لازم له ، بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم .
ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقررا لا يشك فيه عاقل ، قال نافيا ما يوهمه إعراء الظرف من الجار :
ثُمَّ إِنَّكُمْ
وعين البعث الأكبر التام ، الذي هو محط الثواب والعقاب ، لأن من أقر به أقر بما هو دونه من الحياة في القبر وغيرها ، فقال :
يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق
تُبْعَثُونَ *
فنقصه عن تأكيد الموت تنبيها على ظهوره ، ولم يخله عن التأكيد لكونه على خلاف العادة ، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 17 إلى 19 ]
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 )
ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم ، ولاعتقاد البعث يعنيهم ، أتبعه دليلا آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم ، وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه من المنافع لاستبقائهم ، فقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ
في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك
سَبْعَ
ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة فقال :
طَرائِقَ
أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن نريد ، وبعضها فوق بعض متطابقة ، وكل واحدة منها على طريقة تخصها ، وفيها طرق لكواكبها ؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : سميت طرائق لأنها مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى . وهذا من قولهم :
فلان على طريقة - أي حالة - واحدة ، وهذا مطراق هذا ، أي تلوه ونظيره ، وريش طراق - إذا كان بعضه فوق بعض . وقال ابن القطاع : وأطرق جناح الطائر - أي مبنيا للمجهول :
ألبس الريش الأعلى الأسفل . وقال أبو عبيد الهروي : وأطرق جناح الطير - إذا وقعت ريشة على التي تحتها فألبستها ، وفي ريشه طرق - إذا ركب بعضه بعضا . وقال الصغاني في مجمع البحرين : والطرق أيضا بالتحريك في الريش أن يكون بعضها فوق بعض ، وقال ابن الأثير في النهاية : طارق النعل - إذا صيرها طاقا فوق طاق وركب بعضها على بعض ، وفي القاموس : والطراق - ككتاب : كل خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها سواء وأن يقور جلد على مقدار الترس فيلزق بالترس ، وقال القزاز : يقال : ترس مطرق - إذا جعل له ذلك ، وقال الصغاني في المجمع : والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض ، ويقال : أطرقت بالجلد والعصب ، أي ألبست ، وقال أبو عبيد : طارق النعل - إذا صير خصفا فوق خصف ،