إبراهيم عليه السّلام
سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ *
في الأزمان المتقدمة
مِنْ قَبْلُ
أي قبل إنزال هذا القرآن ، فنوّه بذكركم والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان ، وسماكم أيضا مسلمين
وَفِي هذا
الكتاب الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى ، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون
هُوَ سَمَّاكُمُ
تعليلا للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله
هُوَ اجْتَباكُمْ
فيكون الضمير للّه تعالى ، ويشهد له بالحسن قراءة أبيّ رضي اللّه عنه بالجلالة عوضا عن الضمير ، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها ، واللّه تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقا له من اسمه
السَّلامُ
[ الحشر : 23 ] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقا من اسمه المؤمن ، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه ، واجتباكم لاتباع رسوله .
ولما كان الاسم إذا كان ناشئا عن اللّه تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة يكون مخبرا عن كيان المسمى ، وكان التقدير : رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقيادا لتكونوا خيرهم ، علل هذا المعنى بقوله :
لِيَكُونَ الرَّسُولُ
يوم القيامة
شَهِيداً عَلَيْكُمْ
لأنه خيركم ، والشهيد يكون خيرا ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام فقط ، لم يقتض الحال تقديم الظرف بخلاف آية البقرة ، فإنها لإثبات ما هو أخص منه
وَتَكُونُوا
بما في جبلاتكم من الخير
شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم ، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم ، ولم تفرقوا بين أحد منهم ، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبذلك كله صرتم خيرهم ، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل ، وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة .
ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس ، تسبب عنه قوله :
فَأَقِيمُوا
أي فتسبب عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام الشريف أني أقول لكم : أقيموا
الصَّلاةَ
التي هي زكاة قلوبكم ، وصلة ما بينكم وبين ربكم
وَآتُوا الزَّكاةَ
التي هي طهرة أبدانكم ، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
أي المحيط بجميع صفات الكمال . في جميع ما أمركم به ، من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين ، فيذب عنكم من يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة ؛ ثم علل أهليته لاعتصامهم به بقوله :
هُوَ
أي وحده
مَوْلاكُمْ
أي المتولي لجميع أموركم ، فهو ينصركم على كل من يعاديكم ، بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين من