تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضا ، أشار إلى أنها ليست مقصودة له لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية ، فقال :
كَيْ نُسَبِّحَكَ
أي بالقول والفعل بالصلاة وغيرها
كَثِيراً *
فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو لتمهيد الطريق إليه سبحانه . ولما كان التسبيح ذكرا خاصا لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد ، أتبعه العام فقال :
وَنَذْكُرَكَ
أي بالتسبيح والتحميد
كَثِيراً *
فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة لأنه مهيج للرغبات ؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله :
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً *
قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك ، وأن التعاضد مما يصلحنا ، وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه هذا الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكرا وشكرا . ولما تم ذلك ، كان موضع توقع الجواب ، فأتبعه قوله :
قالَ
أي اللّه :
قَدْ أُوتِيتَ
بأسهل أمر
سُؤْلَكَ
أي ما سألته
يا مُوسى
من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك . ولما كان إنجاؤه من فرعون حيث ولد في السنة التي يذبح فيها الأبناء - قالوا : وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السّلام - بيد فرعون وفي بيته أمرا عظيما ، التفت إلى مقام العظمة مذكرا له بذلك تنويرا لبصيرته وتقوية لقلبه ، إعلاما بأنه ينجيه منه الآن ، كما أنجاه في ذلك الزمان ، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيرا ، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك عزه في وجوده فقال :
وَلَقَدْ مَنَنَّا
أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به على ما يليق بعظمتنا
عَلَيْكَ
فضلا منا
مَرَّةً أُخْرى *
غير هذه ؛ ثم ذكر وقت المنة فقال :
إِذْ
أي حين
أَوْحَيْنا
أي بما لنا من العظمة
إِلى أُمِّكَ
أي بالإلهام
ما
يستحق لعظمته أن
يُوحى *
به ، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة النبوة ؛ ثم فسره بقوله :
أَنِ اقْذِفِيهِ
أي ألقي ابنك
فِي التَّابُوتِ
وهو الصندوق ، فعلوت من التوب الذي معناه الرجوع تفاؤلا به ، وقال الحرالي : هو وعاء ما يعز قدره ، والقذف مجاز عن