والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته
عَلى حَرْفٍ
فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره ، لا استقرار له ، وكالذي على طرف من العسكر ، فإن رأى غنيمة قر ، وإن توهم خوفا طار وفر ، وذلك معنى قوله :
فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ
أي من الدنيا
اطْمَأَنَّ بِهِ
أي بسببه ، وثبت على ما هو عليه
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ
أي مصيبة ولو قلت - بما يشير إليه التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأه للناس
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطا لا رجوع له بعده إليه ولا حركة له معه ، فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز ، والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعا متمكنا ، وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه ، فإنه إن أصابته سراء شكر ، وإن أصابته ضراء حمد وصبر ، فكل قضاء اللّه له خير .
ولما كان انقلاب هذا مفسدا لآخرته بما ناله من الوزر ، وغير نافع له في استدراك ما فاته من الدنيا ، كانت فذلكة ذلك قوله :
خَسِرَ الدُّنْيا
أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[ المائدة : 66 ] « إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه « 1 » »
وَالْآخِرَةَ
بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع : ثم عظم مصيبته بقوله :
ذلِكَ
أي الأمر العظيم
هُوَ
أي لا غير
الْخُسْرانُ الْمُبِينُ *
روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في هذه الآية قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله :
يَدْعُوا
أي يعبد حقيقة أو مجازا مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير اللّه ومنابذة
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] . ولما كان كل ما سوى اللّه دونه ، نبه على ذلك بقوله :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال .
ولما كان المقتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار ، وأما الفعل الذي يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك ، فإنه لا قدرة على الانفكاك عنه فلا حمد لفاعله ، نبه
هامش
( 1 ) حسن . أخرجه ابن ماجة 4022 والطحاوي في المشكل 4 / 169 والطبراني في الكبير 1442 والقضاعي 1001 والحاكم 1 / 492 وابن المبارك 86 وأحمد 5 / 277 و 280 و 282 من حديث ثوبان . صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال البوصيري في الزوائد : إسناده حسن .