تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
ظن أن يستصعب المقصود من استجابتهم ، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة ، فبشره سبحانه وتعالى بقوله :
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم ، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات اللّه كما قيل له في موضع آخر
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
[ يونس : 65 ] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفا وتأنيسا بقوله
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
إلى أول قصص موسى عليه السّلام ، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه ، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه . فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره ، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السّلام ، وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم ، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل ، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم ، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - واللّه أعلم ، انتهى .
إِذْ
أي حديثه حين
رَأى ناراً
وهو راجع من بلاد مدين
فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير ؛ ثم علل أمره بقوله :
إِنِّي آنَسْتُ
أي أبصرت في هذا الظلام إبصارا بينا لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء ، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم
ناراً
فكأنه قيل ، فكان ماذا ؟ فقال معبرا بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى :
لَعَلِّي آتِيكُمْ
أي أترجى أن أجيئكم
مِنْها بِقَبَسٍ
أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة
أَوْ أَجِدُ عَلَى
مكان
النَّارِ هُدىً *
أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم
فَلَمَّا أَتاها .
ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم ، بنى للمفعول قوله :
نُودِيَ
من الهدى الذي لا هدى غيره ؛ ثم بين النداء بقوله :
يا مُوسى *
ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفا ، قال مؤكدا ، تنبيها له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين ، مسقطا الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح ، وحاكيا بقول مقدر عند الباقين :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
كما يفعل بحضرات الملوك أدبا ، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأ للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد ، ولهذا قال أهل العبارة : النعل يدل على الولد . ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال :
إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك ؛ ثم فسره بقوله :
طُوىً *
ولما كان المعنى : فإني اخترته تشريفا له من بين البقاع لمناجاتك ، عطف