تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
جعل سبحانه منه الفيض على العالم السفلي بالاختراق لطباقه بالإسراء تارة ، وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف « 1 » ، وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة ، وأتي مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها فردها صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » . ولما ذكر تسخير الريح له ، ذكر أنه سخر له ما أغلب عناصره النار والريح للعمل في الماء ، مقابلة لارتفاع الحمل في الهواء باستفال الغوص في الماء فقال :
وَمِنَ
أي وسخرنا له من
الشَّياطِينِ
الذين هم أكثر شيء تمردا وعتوا ، وألطف شيء أجساما
مِنَ
وعبر بالجمع لأنه أدل على عظم التصرف فقال :
يَغُوصُونَ لَهُ
في المياه لما يأمرهم به من استخراج الجواهر وغيرها من المنافع ، وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في معجزة ، وقد خنق نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم العفريت الذي جاء بشهاب من نار « 3 » وأسر جماعة من أصحابه رضي اللّه عنهم عفاريت أتوا إلى ثمر الصدقة وأمكنهم اللّه منهم « 4 »
وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا
أي عظيما جدا . ولما كان إقدارهم على الغوص أعلى ما يكون في أمرهم ، وكان المراد استغراق إقدارهم على ما هو أدنى من ذلك مما يريده منهم ، نزع الجار فقال :
دُونَ ذلِكَ
أي تحت هذا الأمر العظيم أو غيره من بناء ما يريد ، واصطناع ما يشاء ، من الصنائع العجيبة ، والآثار الغريبة ، وفي ذلك تسخير الماء والتراب بواسطة الشياطين ، فقد ختم عند انتهاء الإشارة إلى تسخير العناصر - بمن سخر له العناصر الأربعة كما ابتدأ بذلك
وَكُنَّا
أي بعظمتنا التي تغلب كل شيء
لَهُمْ حافِظِينَ *
من أن يفعلوا غير ما يريد ، ولمن يذكر هودا عليه السّلام هنا ، إن كان قد سخر له الريح ، لأن عملها له كان على مقتضى العادة في التدمير والأذى عند عصوفها وإن كان خارقا بقوته ، والتي لسليمان عليه السّلام للنجاة والمنافع ، هذا مع تكررها فأمرها أظهر ، وفعلها أزكى وأطهر . ولما أتم سبحانه ذكر من سخر لهم العناصر الأربعة التي منها الحيوان المحتوم ببعثته تحقيقا لذلك ، ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك ، إما بإعادة
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 1 / 441 والبخاري 4824 ومسلم 2798 والترمذي 3254 عن ابن مسعود . ( 2 ) أخرجه أحمد 2 / 264 والبخاري 2977 ومسلم 523 والنسائي 6 / 4 عن أبي هريرة . ( 3 ) أخرجه البخاري 3284 عن أبي هريرة ( 4 ) أخرجه البخاري 3275 عن أبي هريرة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 103 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي