تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى معرفة حكمتها ؛ قال هذه المقالة
وَتَوَلَّى
أي انصرف بوجهه
عَنْهُمْ
لما تفاقم عليه من الحزن ، وبلغ به من الجهد ، وهاج به باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالا على من إليه الأمر
وَقالَ
مشتكيا إلى اللّه لا غيره ، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء :
يا أَسَفى
أي يا أشد حزني ، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له ، وجناس « الأسف » مع « يوسف » مما لم يتعمد ، فيكون مطبوعا ، فيصل إلى نهاية الإبداع ، وأمثاله في القرآن كثير
عَلى يُوسُفَ
هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك ، وخصه لأنه قاعدة إخوانه ، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ
أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار ، فعمى البصر
مِنَ الْحُزْنِ
الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض ، فذكر السبب الأول ، يقال : بلغ حزنه عليه السّلام حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط . ثم علل ذلك بقوله :
فَهُوَ
أي بسبب الحزن
كَظِيمٌ *
أي شديد الكظم لامتلائه من الكرب ، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه اللّه من العلم والحكمة ، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وهو أبلغ منه ، من كظم السقاء - إذا شده على ملئه . ومادة « كظم » تدور على المنع من الإظهار ، ويلزمه الكرب - لأنه من شأن الممنوع مما قد امتلأ منه ، ويلزمه الامتلاء ، لأن ما دونه ليس فيه قوة الظهور ، كظم غيظه - إذا سكت بعد امتلائه منه ، وكظمت السقاء - إذا ملأته وسددته ، وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف ، والكظم : مخرج النفس ، لأنه به يمنع من الجري في هواه ؛ والكظامة : حبل يشد به خرطوم البعير ، لمنعه مما يريد ، وأيضا يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا ، منعا له من الانحلال وأيضا قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء ، لأنه يمنع الماء من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض ، وخرق يجري فيه الماء من بئر إلى بئر ، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين ، فلولاه لفاضت القوية ، فهو تصريف لمائها في غير وجهه ، وكظامة الميزان : المسمار الذي يدور فيه اللسان ، لأنه يربطه فيمنعه من الانفكاك ، ويقال : ما زلت كاظما يومي كله ، أي ممسكا عن الأكل وقد امتلأت جوعا ، وقد يطلق على مطلق النبع ، ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء البحر ، لأن البحر قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن الانسياح .