تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
يوسف عليه السّلام في اليوم الثالث ، وقال لهم : افعلوا ما آمركم به فتحيوا ، فإني أراقب اللّه فيكم ، إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم في محبسكم وانطلقوا أنتم بالميرة « 1 » للجوع الذي في بيوتكم ، فأتوني بأخيكم الأصغر فأصدق قولكم ولا تموتوا ، ففعلوا كما أمرهم ، فقال كل امرئ منهم لصاحبه : حقا إنا قد استوجبنا السجن على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان يتضرع إلينا فلم نرحمه ولم نتراءف عليه ، فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه البلية والشر ، فأجاب روبيل وقال لهم : ألم أقل لكم : لا تأثموا بالغلام ، فلم تقبلوا ، وهو ذا الآن نحن مطالبون بدمه . ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم ، لأنه أوقف ترجمانا بينه وبينهم ، فتنحى عنهم فبكى ، ثم رجع إليهم يكلمهم ، ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم . وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة ، وأمر برد ورق كل امرئ منهم في وعائه ، وأن يزودوا زادا للطريق ، ففعل ذلك بهم كما أمر يوسف عليه السّلام ، فحملوا ميرتهم على حميرهم وانطلقوا ، ففتح بعضهم وعاءه ليلقي قضيما لحماره في مبيتهم . فرأى ورقه موضوعا على طرف حمولته . فقال لإخوته : ورقي رد إليّ وهو ذا على طرف حمولتي ، فارتجفت قلوبهم وفزعت نفوسهم ، وتعجب كل امرئ منهم ، فقالوا : يا ليت شعري ما هذا الذي صنعه اللّه بنا ! فأتوا يعقوب أباهم إلى أرض كنعان ، فأخبروه بجميع ما عرض لهم وقالوا : إن الرجل سيد الأرض كلمنا بفظاظة وقساوة . وحسبنا بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع الأرض ، فقلنا : إنا أبرياء عدول ، فلسنا بطلائع ، فنحن اثنا عشر أخا بنو أب واحد ، فقد واحد منا والآخر عند أبينا يومنا هذا بأرض كنعان ، فقال لنا الرجل سيد الأرض ورئيسها : بهذا أعلم أنكم أبرار عدول ، خلفوا عندي أحد إخوتكم ، واحملوا ميرة للجوع الذي في بيوتكم . وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم ، فأعلم حينئذ أنكم لستم بطلائع ، بل أنتم أبرياء عدول ، وآمر بدفع أخيكم إليكم ، وتتجرون في الأرض ، فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل امرئ منهم على طرف وعائه فرأوا ورقهم مصرورا ففزعوا هم وأبوهم . فقال لهم أبوهم : إنكم قد أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما ، لأن يوسف فقدته . وشمعان محبوس ، وتنطلقون ببنيامين أيضا وقد كملت علي المصائب كلها ، فقال روبيل لأبيه : ثكلت ابني جميعا إن لم آتك به ! دفعه إليّ وأنا أرده إليك ، فقال : لا يهبط ابني معكم ، لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي لأمه ، فتعرض له آفة في الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث بالشقاء والشحب .
هامش
( 1 ) الميرة بالكسر : جلب الطّعام .