ولما تم ذلك ، كان كأنه قيل : إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك المواثيق التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم ، فماذا كان فعلهم عندها ؟ فقيل :
قالُوا
تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم
إِنْ يَسْرِقْ
فلم يجزموا بسرقته ، لعلمهم بأمانته ، وظنهم أن الصواع دس في رحله وهو لا يشعر ، كما دست بضاعتهم في رحالهم وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن الاعتذار به ، على أنه قد ورد أنهم لاموه فقال لهم : وضعه في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالهم
فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ
أي شقيق
لَهُ
ولما كان ما ظنوه كذلك في زمن يسير ، أدخلوا الجار فقالوا :
مِنْ قَبْلُ
يعنون يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وذلك أنه قيل : إن عمته كانت لا تصبر عنه ، وكان أبوه لا يسمح بمكثه عندها ، لأنه لا يصبر عنه ، فحزمته من تحت ثيابه بمنطقة أبيها إسحاق عليه السّلام وكانت عندها ، ثم قالت : فقدت منطقة أبي ، فاكشفوا أهل البيت ، فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسّلام ، فسمح يعقوب عليه الصلاة والسّلام حينئذ لها ببقائه عندها
فَأَسَرَّها
أي إجابتهم عن هذه القولة القبيحة
يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام .
ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك ، نفى هذا الظن بقوله تعالى :
وَلَمْ يُبْدِها
أي أصلا
لَهُمْ
فكأنه قيل : فما قولته التي أسرها في نفسه ؟ فقيل :
قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً
أي من يوسف وأخيه ، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ظاهرا لأمر خير اقتضاه ، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهرا وباطنا ، ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم ، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر ، لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر
وَاللَّهُ
أي الذي له الإحاطة الكاملة
أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ *
منكم ، وأنه ليس كما قلتم ؛ والوصف : كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما ، فكأنه قيل : إن ذلك القول على فحشه ليس مغنيا عنهم ولا عن أبيهم شيئا ، فهل اقتصروا عليه ؟ فقيل : لا ، بل
قالُوا
التماسا لما يغنيهم :
يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ
فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم
إِنَّ لَهُ
أي هذا الذي وجد الصواع في رحله
أَباً شَيْخاً كَبِيراً
أي في سنه وقدره وهو مغرم به ، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه
فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ
وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه
إِنَّا نَراكَ
أي نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه
مِنَ الْمُحْسِنِينَ *
أي العريقين في صفة