تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
من رؤوسهم فلم يهدأ ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم : يا بني إسرائيل ! ويلكم ! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم ، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته ، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا : إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط اللّه عز وجل ، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه ، فقال لهم بيوزردان : ما كان اسمه ؟ قالوا : يحيى بن زكريا ، قال : الآن صدقتموني ، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم ، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش ، وخلا في بني إسرائيل ، ثم قال : يا يحيى بن زكريا ! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن اللّه قبل أن لا أبقي من قومك أحدا ، فهدأ الدم بإذن اللّه تعالى ، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال : آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره ، وقال لبني إسرائيل : إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لست أستطيع أن أعصيه ، قالوا له : افعل ما أمرت به ، فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم ، فذبحها حتى سال الدم في العسكر ، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل ، فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيوزردان أن ارفع عنهم القتل ، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد . فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسّلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته . ولما ختم دعاءه بقوله :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ
أي أيها المحسن إلي
رَضِيًّا *
أي بعين الرضا منك دائما حتى يلقاك على ذلك ، قيل في جواب من كأنه قال : ماذا قال له ربه الذي أحسن الظن به ؟ :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا
أي على ما لنا من العظمة
نُبَشِّرُكَ
إجابة لدعائك ؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به ، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار
بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى
ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال :
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ
فيما مضى ، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصا لزمان بني إسرائيل قومه فقال :
مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا *
فكأنه قيل : ما قال في جواب هذه البشارة العظمى ؟ فقيل :
قالَ
عالما بصدقها طالبا