تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
قتل في حياته ، ولا يكون وارثا إلا إذا تخلف بعده ، وقد قال تعالى
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى
[ الأنبياء : 90 ] قال : فتجعل استئنافية ، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه السّلام - هكذا نقل لي عنه ، وأنا أجلّه عن ذلك ، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ، ولا يتجرأ على عليّ مقامه بإخلاف ظنه ، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصح السند ، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثا مجازا مرسلا باعتبار ما يؤول إليه في الجملة ، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى عليه السّلام علّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسّلام ، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمى العلم إرثا على وجه الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسّلام « العلماء ورثة الأنبياء » « 1 » ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه ، ولم يرد منع من تسميته إرثا حال الأخذ ، هذا إذا صح أن يحيى عليه السّلام مات قبل زكريا عليه السّلام ، وحينئذ يؤول
مِنْ وَرائِي
بما غاب عنه ، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر ، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني ، فهب لي ولدا يكون متصفا بصفاتي ، فكان ما سأله ، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلا ، وينتفي الاعتراض رأسا ، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء ، مع أن البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسّلام فإنه قال : آخر من بعث اللّه فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسّلام ، وكانوا من بيت آل داود عليه السّلام فمات زكريا عليه السّلام ، وقيل : قتل ، فلما رفع اللّه عيسى عليه الصلاة والسّلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث اللّه عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام ، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال : إني كنت قد حلفت بإلهي : لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحدا أقتله ، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، وأن بيوزردان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ، فوجد فيها دما يغلي فقال : يا بني إسرائيل ! ما شأن هذا الدم يغلي ؟ قالوا : هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا ، فقال : ما صدقتموني ، قالوا : لو كان تأول زماننا لتقبل منا ، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا ، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 196 وأبو داود 3641 والترمذي 2682 وابن ماجة 223 وابن حبان 88 والدارمي 2682 عن أبي الدرداء وأعله الحفاظ بالضعف في روائه والاضطراب في إسناده وللحديث شواهد انظر تخريج الأرنؤوط على الإحسان وتلخيص الحبير
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 521 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي