تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوّت على المطيع الثواب ، وعلى العاصي العقاب .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 38 إلى 41 ]

لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً ( 39 ) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ( 40 ) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) ولما أنكر على صاحبه ، أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه ، فقال مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه :
لكِنَّا
لكن أنا . ولما كان سبحانه لا شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه ، أشار إلى ذلك جميعا بإضماره قبل الذكر فقال تعالى :
هُوَ
أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفى أصلا ، ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك
اللَّهُ
أي المحيط بصفات الكمال
رَبِّي
وحده ، لم يحسن إليّ خلقا ورزقا أحد غيره ، هذا اعتقادي في الماضي والحال
وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي
المحسن إليّ في عبادتي
أَحَداً *
كما لم يشاركه في إحسانه إليّ أحد ، فإن الكل خلقه وعبيده ، وأنى يكون العبد شريكا للرب ! فإني لا أرى الغنى والفقر إلا منه ، وأنت - لما اعتمدت على مالك - كنت مشركا به . ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه وجهل قدمه ، قال له مصرحا بالتعليم بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه :
وَلَوْ لا إِذْ
أي وهلا حين
دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ
ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى اللّه تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ
[ الكهف : 23 ] تاركا للافتخار بها ، ومستحضرا لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك ، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه بالزوال
ما شاءَ اللَّهُ
أي الذي له الأمر كله ، كان ، سواء كان حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا ، ولذلك أعراها عن الجواب ، لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى :
لا قُوَّةَ
أي لأحد على بستان وغيره
إِلَّا بِاللَّهِ
أي المتوحد بالكمال ، فلا شريك له ، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة للّه وبراءة العبد منها ، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره ، فلا يخاف من غيره ، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها مؤثرة بنفسها .