تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
أي صاحب الجنان
يُحاوِرُهُ
أي يراجعه الكلام ، من حار يحور - إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه ، والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا
لما ترى من جناني وثماري
وَأَعَزُّ نَفَراً *
أي ناسا يقومون معي في المهمات ، وينفرون عند الضرورات ، لأن ذلك لازم لكثرة المال
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ
وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة ، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لاحظ له في الآخرة
وَهُوَ
أي والحال أنه
ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه ؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله :
قالَ
لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة :
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ
أي تهلك هلاكا ظاهرا مستوليا
هذِهِ أَبَداً *
ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه واعتمادا عليه . ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه ، فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه ، ويثبت أصوله ويقويه ، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى يتلاشى فكان عدما ، فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسما :
وَلَئِنْ رُدِدْتُ
أي ردني راد
إِلى رَبِّي
المحسن إلي في هذه الدار ، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك
لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها
أي هذه الجنة ؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين
مُنْقَلَباً *
أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه ، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي ، وهو وصف لي غير منفك في الدارين ، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به ، فكأنه قيل : إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات ، ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجا ، فما قال له الآخر ؟ فقيل :
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ
أي والحال إن ذلك الصاحب
يُحاوِرُهُ
منكرا عليه :
أَ كَفَرْتَ .
ولما كان كفره بإنكار البعث ، دل عليه بقوله تعالى :
بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ
بخلق أصلك
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
متولدة من أغذية أصلها تراب
ثُمَّ سَوَّاكَ
بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة
رَجُلًا *
حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيبا للرسل واستقصارا للقدرة ، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء ، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك ، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع ، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 468 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي