تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
ولما بالغ في أمره صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين ، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين ، وأكد الإعراض عن الناكبين « 1 » فقال تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا
بعظمتنا
قَلْبَهُ
أي جعلناه غافلا ، لأن الفعل فيه لنا لا له
عَنْ ذِكْرِنا
بتلك الزينة . ولما كان التقدير : فغفل ، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد ، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى :
وَاتَّبَعَ هَواهُ
بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر اللّه مطلع الأنوار ، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً *
أي متجاوزا للحد مسرفا فيه متقدما على الحق ، فيكون الحق منبوذا به وراء الظهر مفرطا فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف ، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على اللّه معرضون عما سواه ، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 29 إلى 31 ]

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 ) ولما رغبه في أوليائه ، وزهده في أعدائه ، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنتين « 2 » ، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهددا ومتوعدا - كما نقل عن علي رضي اللّه عنه وكذا عن غيره :
وَقُلِ
أي لهم ولغيرهم : هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج ، الظاهر الإعجاز ، الباهر الحجج
الْحَقُّ
كائنا
مِنْ رَبِّكُمْ
المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين ، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك ، لا ما قلتموه في أمرهم ، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ
فَمَنْ شاءَ
أي منكم ومن غيركم
فَلْيُؤْمِنْ
بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم ، فهو مقبول مرغوب فيه وإن
هامش
( 1 ) أي المعرضين وفي المختار ص 678 : نكب عن الطريق عدل وبابه نصر اه . ( 2 ) العنت : بفتحتين الإثم والوقوع في أمر شاق اه مختار الصحاح وهذا أنهم لما تشدّدوا وسألوا عما ليس لهم به علم أوقعوا أنفسهم في المشقة اه .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 464 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي