تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة ، نبه على ذلك بقوله - جوابا لمن كأنه قال : أيهما أحصاه ؟ :
نَحْنُ
أو يقال : ولما أخبر اللّه سبحانه عن مسألة قريش الثانية ، وهي قصة أهل الكهف ، مجملا لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى ، وهي الروح ، كان السامع جديرا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار ، فقال جوابا لمن كأنه قال : اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين : نحن
نَقُصُّ
أي نخبر إخبارا تابعا لآثارهم قدما فقدما
عَلَيْكَ
على وجه التفصيل
نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ
أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل : زيادة أو نقص ، فكأنه قيل : ما كان نبأهم ؟ فقال تعالى :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ
أي شبان
آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم ، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة . ولما دل على الإحسان باسم الرب ، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى ، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقديره : فاهتدوا بإيمانهم :
وَزِدْناهُمْ
بعد أن آمنوا
هُدىً
بما قذفنا في قلوبهم من المعارف ، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب ، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه
وَرَبَطْنا
بما لنا من العظمة
عَلى قُلُوبِهِمْ
أي قويناها ، فصار ما فيها من القوى مجتمعا غير مبدد ، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة
إِذْ قامُوا
للّه تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس
فَقالُوا
مخالفين لهم :
رَبُّنا
الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا ، هو
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي موجدهما ومدبرهما
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً *
بعد أن ثبت عجز كل من سواه ، واللّه
لَقَدْ قُلْنا إِذاً
أي إذا دعونا من دونه غيره
شَطَطاً *
أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا ؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططا بأنه لا دليل عليه ، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها :
هؤُلاءِ
وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذا له من شرك الجهل ، وبين المشار إليهم بقولهم :
قَوْمُنَا
أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا
اتَّخَذُوا
أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى
مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان ؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل ، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع :
لَوْ لا
أي هلا
يَأْتُونَ
الآن .