تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد ، وقرر أمرهم أحسن تقرير ، واستعطفهم بنعمه ، وخوفهم من نقمه ، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسّلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته ، وأحسن من علانيته وسريرته ، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة ، وتهيأ للمراقبة ، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى :
أَقِمِ
أي حقيقة بالفعل ومجازا بالعزم عليه
الصَّلاةَ
بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها ، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير ، وفناء كل سوى ، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان ، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء ، وأدفع الأشياء للضراء ، وأجلبها لكل سراء ، ولذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر ؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى :
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أي زوالها واصفرارها وغروبها ، قال في القاموس : دلكت الشمس : غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء . فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه ، أما في الظهر والمغرب فواضح ، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار ، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى :
إِلى
حثا على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصليا دائما ، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة ، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق
غَسَقِ اللَّيْلِ
فالغسق : ظلمة أول الليل ، وهو وقت النوم ؛ وقال الرازي في اللوامع : وهو استحكام ظلمة الليل ، وقال الرماني : ظهور ظلامه ؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى :
وَقُرْآنَ
فكأنه قال : ثم نم وأقم قرآن
الْفَجْرِ
إشارة إلى الصبح ، وقيل : نصب على الإغراء ، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها ، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقا بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم . ولما كان القيام من المنام صعبا ، علل مرغبا مظهرا غير مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى :
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً *
يشهده فريقا الملائكة ، وهو أهل لأن يشهده كل أحد ، لما له من اللذة في السمع ، والإطراب للقلب ، والإنعاش للروح ، فصارت الآية جامعة للصلوات ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 415 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي