مواد الشبه وإيضاح وجوه الدلائل ، وأما في الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة ، وتارة في غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين .
ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال ، أتبع سبحانه ذلك بيانه ، وكان التعبير عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى :
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
أي الراسخين في هذا الوصف ، ولهذا قيدهم بيانا لهم بقوله تعالى :
الَّذِينَ
يصدقون إيمانهم بأنهم
يَعْمَلُونَ
أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم
الصَّالِحاتِ
من التقوى والإحسان
أَنَّ لَهُمْ
أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم
أَجْراً كَبِيراً *
إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهرا كما كان إنذار كتاب موسى عليه السّلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم .
ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم ، أتبعه ما لهم في أعدائهم فقال تعالى :
وَأَنَّ
أي ويبشر المؤمنين أيضا بأن
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
أي لا يتجدد منهم إيمان
بِالْآخِرَةِ
حقيقة أو مجازا ، المسبب عنه أنهم لا يعملون الصالحات حقيقة لعدم مباشرتها ، أو مجازا ببنائها على غير أساس الإيمان ؛ وعبر بالعتاد تهكما بهم ، فقال تعالى :
أَعْتَدْنا
أي أحضرنا وهيأنا ما هو في غاية الطيب والنفاسة والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف بوجه ، وهو مع ذلك منظور إليه ، لعظمتنا
لَهُمْ
من عندنا بواسطة المؤمنين أو بلا واسطة .
ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشراف المغتبط المسرور ، أتاهم في تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة « تحية بينهم ضرب وجيع » وسر قلوب الأولياء سرورا عظيما ، فقال تعالى :
عَذاباً أَلِيماً *
فإنه لا بشرى لذوي الهمم أعلى ولا أسر من الانتقام من مخالفيهم ، فصار فضل الكتاب على الكتاب كفضل الذهاب على الذهاب ، وحذف المؤمنين الذين لا يعملون الصالحات ، لتمام البشارة بالإشارة إلى أنهم من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا يكادون أن يوجدوا .
ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوم ، أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة والإقدام على ما لا فائدة فيه ، تنبيها على ما يجب عليه من التأني للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنه بمعيار الشرع ، فقال تعالى :
وَيَدْعُ
حذف واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظا في العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله ، وهو لا يريد علو الشر عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل اللّه الرفعة والعلو ، وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه اللّه ، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى أمثاله في سورة