كانوا قد رحموه قبل ذلك ، وراسل يوحانان وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال :
قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل ، فأما الآن فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند اللّه ولا عند أحد من الناس في استبقائكما . فانحدرا ليلا إلى القدس بأصحابهما فقتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس بقتل من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قد رحمه ، فلما رأى أصحاب شمعون ذلك خافوا على أنفسهم ، فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم ، فقتل شمعون رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في المدينة ؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى موضع استترا فيه ، فتم استيلاء طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون ، ولما طال عليهما الاستتار واشتد بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما ، ثم رحل متوجها إلى رومية ومعه السبي والغنائم ، وكان كلما نزل منزلا يقدم جماعة ممن ظفر به من الخوارج إلى السباع التي معه حتى أفناهم ، وكان العازر لما رأى إفساد شمعون وقتله من لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء ، فخرج عنه قبل استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع ، فلما رحل طيطوس مضى إلى قرية مصيرا فعمر حصنها ، فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه قائدا من قواده فحاصره ، فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل من خلفهم من العيال والاستقتال ليموتوا أعزة ، فأجابوه إلى ذلك وقاتلوا حتى قتلوا كلهم - فسبحان القوي الشديد ، الفعال لما يريد .
ولما انقضى ذلك ، كان كأنه قيل : أما لهذه المرة من كرة كالأولى ؟ فأطمعهم بقوله سبحانه وتعالى :
عَسى رَبُّكُمْ
أي الذي عودكم بإحسانه
أَنْ يَرْحَمَكُمْ
فيتوب عليكم ويكرمكم ؛ ثم أفزعهم بقوله تعالى :
وَإِنْ عُدْتُمْ
أي بما نعلم من دبركم إلى المعصية مرة ثالثة فما فوقها
عُدْنا
أي بما تعلمون لنا من العظمة ، إلى عذابكم في الدنيا ، وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام ، وإن كان في سياق الشرط ، ليظهر الفرق بين كلام العالم وغيره ، وأشار إلى ذلك قوله في التوراة عقب ما مضى : وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي تلوت عليك فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك اللّه فيها ، واقبل إلى ربك واسمع قوله ، واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوك من كل قلبك ، فيرد الرب سبيك ويرحمك ، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها ، وإن كان المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك اللّه ربك من هناك ويقربك من ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون ، وينعم عليكم وتكثرون أفضل من آبائكم ، ويختن اللّه الرب قلوبكم وقلوب نسلكم إلى الأبد ، وتتقون اللّه ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل اللّه كل