تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله ، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ
أي كيفما وقع له الاضطرار
غَيْرَ باغٍ
على مضطر آخر
وَلا عادٍ
سدّ الرمق . ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة ، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى :
فَإِنَّ اللَّهَ
أي المختص بصفات الكمال ، بسبب تناوله منها على ما حده
غَفُورٌ رَحِيمٌ *
فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 116 إلى 119 ]

وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من الحيوانات ، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم ، صرح بالنهي عنه إبلاغا في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى :
وَلا تَقُولُوا
أي بوجه من الوجوه في وقت ما . ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولا فارغا ليس له حقيقة أصلا ، لأنه لا دليل عليه ، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى :
لِما تَصِفُ
أي لأجل الذي تصفه
أَلْسِنَتُكُمُ
أي من الأنعام والحروث والزروع . ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك ، بين مقول ذلك القول فقال تعالى :
الْكَذِبَ
أي القول الذي هو عين الكذب . ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول ، أبدل منه فقال تعالى :
هذا حَلالٌ
وَهذا حَرامٌ
ويجوز أن يكون
الْكَذِبَ
مفعول
تَصِفُ
فتكون ( ما ) مصدرية ، أي لوصفها إياه ، فكأن حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها ، فهو مبالغة في وصف كلامهم بالكذب ، وما بعده مقول القول . ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس ، فكان اللائق بهم إرخاء للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات ، قال تعالى :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ
أي الملك الأعلى
الْكَذِبَ
لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله كذبا ، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب ، وإلا لكان في غاية الجهل ، فدار أمرهم في مثل هذا