دعوى النفع لهم والضر كذبا وفجورا ، فكأنه قيل : هذا للذين أشركوا ، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه ؟
فقيل :
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي أوجدوا الكفر في أنفسهم
وَصَدُّوا
مع ذلك غيرهم
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي الذي له الإحاطة كلها
زِدْناهُمْ
أي بما لنا من العظمة ، بصدهم غيرهم
عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ
الذي استحقوه على مطلق الشرك
بِما كانُوا
أي كونا جبليا
يُفْسِدُونَ *
أي يوقعون الفساد ويجددونه ؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة ، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم ، وتكون بحضرتهم ،
فقال تعالى :
وَيَوْمَ
أي وخوفهم يوم
نَبْعَثُ
أي بما لنا من العظمة
فِي كُلِّ أُمَّةٍ
من الأمم
شَهِيداً
أي هو في أعلى رتب الشهادة
عَلَيْهِمْ .
ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السّلام خاصة بقومهم إلا قليلا ، قال :
مِنْ أَنْفُسِهِمْ
وهو نبيهم .
ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك ، وإلى أنه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفا بهذه الصفة العلية فقال تعالى :
وَجِئْنا
أي بما لنا من العظمة
بِكَ شَهِيداً
أي شهادة هي مناسبة لعظمتنا
عَلى هؤُلاءِ
أي الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض ، وأكثرهم ليس من قومه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء ؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم ، لأنه سبحانه أزاح العلل ، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، فقال عاطفا على قوله
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
- الآية ، المتعقب لقوله
لا جَرَمَ
- الآيتين :
وَنَزَّلْنا
أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم
عَلَيْكَ الْكِتابَ
الجامع للهدى
تِبْياناً
أي لأجل البيان التام ، قالوا : وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء
لِكُلِّ شَيْءٍ
ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك ، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في أعلى طبقات البلاغة ، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر في الإدراك ، والنفس أشد تقبلا له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى الأفهام ، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان ، وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغة ، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا إلى تقصير الكلام في البيان ، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها ؛ قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا اللّه تعالى أن يرزقه فهما في كتابه ثم في سنة نبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله