فلما صار هذا البيان ، إلى أجلى من العيان ، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن لم يجيبوا لحق الداعي بسبب إعراضهم حرج ، فقال تعالى نافيا لذلك معرضا عنهم إعراض المغضب ، مقبلا عليه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم إقبال المسلي ، معبرا بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على اللّه فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه إلا بنوع معالجة :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج
فَإِنَّما
أي بسبب أنه إنما
عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
وليس عليك أن تردهم عن العناد ، فكأنه قيل : فهل كان إعراضهم عن جهل أو عناد ؟ فقيل فيهم وفيهم :
يَعْرِفُونَ
أي كلهم
نِعْمَتَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم ، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها
ثُمَّ يُنْكِرُونَها
بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها ، بعضهم لضعف معرفته ، وبعضهم عنادا ، وكان بعضهم يقول : هي من اللّه ولكن بشفاعة آلهتنا
وَأَكْثَرُهُمُ
أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم
الْكافِرُونَ *
أي المعاندون الراسخون في الكفر .
ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث ، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل ، قال تعالى ، عاطفا على ثمرة
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ
وهي : فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم :
وَيَوْمَ
أي وخوفهم يوم
نَبْعَثُ
بعد البعث
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنيا عن شهيد .
ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم متعذرا ، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى :
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ
أي لا يقع إذن على