ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ضعيفا . ولما كان خوفه لخفاء أمرهم عليه ، كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا :
عَلِيمٍ *
فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :
قالَ
مظهرا للتعجب إرادة تحقيق الأمر وتأكيده :
أَ بَشَّرْتُمُونِي
أي بذلك
عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ
أي الذي لا حركة معه يأتي منها ولد ، أم على أن أعود شابا ؟ ولذلك سبب عنه قوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ *
بينوا لي ذلك بيانا شافيا
قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ
أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق خبرنا
فَلا تَكُنْ
أي بسبب تبشيرنا لك بالحق
مِنَ الْقانِطِينَ *
أي الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم ، لقولك نحو أقوالهم .
فلما ألهبوه بهذا النهي
قالَ
منكرا لأن يكون من القانطين :
وَمَنْ يَقْنَطُ
أي ييأس هذا اليأس
مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ
أي الذي لم يزل إحسانه دارّا عليه
إِلَّا الضَّالُّونَ *
أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة ، وهذا إشارة إلى أنه ما كان قانطا ، وإنما كان مريدا لتحقيق الخبر ، وفي هذا تلويح إلى أمر المعاد .
فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي ، وكان هو وغيره من العارفين باللّه عالمين بأنه ما تنزل الملائكة إلا بالحق ، كان ذلك سببا لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله ، فلذلك
قالَ فَما
بفاء السبب
خَطْبُكُمْ
قال أبو حيان : والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى . وقال الرماني : إنه الأمر الجليل يا
أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ *
فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلا بين هالك وناج
قالُوا إِنَّا
ولما كان عالما بمرسلهم ، بنوا للمفعول قولهم :
أُرْسِلْنا
أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به
إِلى قَوْمٍ
أي ذوي منعة
مُجْرِمِينَ
أي عريقين في الإجرام كلهم .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 59 إلى 62 ]
إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ( 59 ) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ( 60 ) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( 61 ) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 62 )
ولما كان إرسالهم للعذاب ، قالوا مستثنين من الضمير في
مُجْرِمِينَ
أي قد أجرموا كلهم إجراما عظيما
إِلَّا آلَ لُوطٍ
فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين ، المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم ، فكان ذلك محركا للنفس إلى السؤال عن حالهم ، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه ، فأجابوا بقولهم :
إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ
أي تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة
أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ .