تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
جواب الشرط :
إِنَّا إِذاً
أي إذا كان هذا
لَخاسِرُونَ *
أي كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعا ؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف ، وأقله أن يقولوا : ما وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم ، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد ، فكأنه قيل : إن هذا لكيد عظيم وخطب جسيم ، فما فعل أبوهم ؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم
فَلَمَّا ذَهَبُوا
ملصقين ذهابهم
بِهِ وَأَجْمَعُوا
أي كلهم ، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزما صادقا ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع الدواعي كلها
أَنْ يَجْعَلُوهُ
والجعل : إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه ، ونظيره التصيير والعمل
فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
فعلوا ذلك من غير مانع ، ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله :
وَأَوْحَيْنا
أي بما لنا من العظمة
إِلَيْهِ
أي إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام . ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جدا ، أكد له قوله :
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ
أي لتخبرنهم إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة
بِأَمْرِهِمْ هذا
أي الذي فعلوه بك
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ *
- لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك يوسف - قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله الرماني ؛ والشعور : إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة ، ومنه المشاعر في البدن ، وكان يوسف عليه الصلاة والسّلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة سنة - قاله الحسن ، قالوا : وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوكم يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ]

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار ، عطف على الجواب
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 16 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي