إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى يظفروا بعين الحياة التي من شرب منها لا يموت - انتهى .
ولما دعا إلى العدل فيما بينهم وبين اللّه ، دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدنا فقال :
وَلا تَنْقُصُوا
أي بوجه من الوجوه
الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته ؛ والكيل : تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة ؛ والوزن : تعديله في الخفة والثقل ، فالكيل للعدل في الكمية والوزن للعدل في الكيفية ؛ ثم علل ذلك بقوله :
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ
أي بسعة تغنيكم عن البخس - مرهبا ومرغبا بالإشارة إلى أن الكفر موجب للنقمة كما أن الشكر موجب للنعمة .
ولما كان كأنه قيل : فإني أخاف عليكم الفقر بالنقص ، عطف عليه مؤكدا لإنكارهم :
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ
به وبالشرك
عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ *
بكم صغارا وكبارا وبأموالهم طيبا وخبيثا ، أي مهلك كقوله
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
[ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو ، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ لأنه محيط بما فيه من عذاب وغيره ، والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط أهول ، وهو الدائر بالشيء من كل جانب ، وذلك يكون بالتقاء طرفيه ؛ والنقصان : أخذ شيء من المقدار كما أن الزيادة ضم شيء إليه ، وكلاهما خروج عن المقدار ؛ والوزن : تعديل الشيء بالميزان ، كما أن الكيل تعديله بالمكيال ، ومن الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا « 1 » .
ولما كان عدم النقص قد يفهم منه التقريب ، أتبعه بما ينفي هذا الاحتمال وللتنبيه على أنه لا يكفي الكف عن تعمد التطفيف ، بل يلزم السعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها ، ولأن التصريح بالأمر بالشيء بعد النهي عن ضده أوكد ، فقال مستعطفا لهم بالتذكير بأنه منهم يسوءه ما يسوءهم وبأنهم لما أعطاهم اللّه من القوة جديرون بأن يعرضوا عن تعاطي سفساف الأخلاق ورذائلها :
وَيا قَوْمِ
أي أيها الذين لهم قوة في القيام فيما ينوبهم
أَوْفُوا
أي أتموا إتماما حسنا
الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
أي ، المكيل
هامش
( 1 ) حسن . أخرجه ابن ماجة 4019 والبزار 6176 بأتم منه وأبو نعيم في الحلية 3 / 320 مختصرا كلهم من حديث ابن عمر . - قال البوصيري في الزوائد : هذا حديث صالح للعمل به ، واختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه ا ه . - قال الذهبي في الميزان : ابن أبي مالك هو خالد بن يزيد قال أحمد : ليس بشيء وقال النسائي : غير ثقة . - وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 317 ( 9615 ) وقال : رواه البزار ورجاله ثقات اه فالحديث حسن بطريقيه .