تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
سدوم وعامورا نارا وكبريتا من بين يدي الرب من السماء فقلب هذه القرى والقاع بأسره ، وأهلك جميع سكانها وجميع من فيها وجميع نبت الأرض ، فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر فصارت نصبة ملح ، فأدلج إبراهيم باكرا إلى الموضع الذي كان يقف فيه بين يدي الرب ؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود ، فلما خسف اللّه قرى القاع ذكر اللّه إبراهيم فأرسل لوطا من المأفوكة إذ قلب اللّه القرى التي كان ينزلها لوط فطلع لوط من صاغار - وفي نسخة : زغر - فسكن الجبل هو وابنتاه معه لأنه تخوف أن يسكن صاغار ، فجلس في مغارة .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 84 إلى 85 ]

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ( 84 ) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) ولما انتهت القصة معلمة بما قام به لوط عليه السّلام من أمر اللّه غير وان لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر ، أتبعت أقرب القصص الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى :
* وَإِلى
أي ولقد أرسلنا إلى
مَدْيَنَ
وهم قبيلة أبيهم مدين بن إبراهيم عليه السّلام
أَخاهُمْ شُعَيْباً
فكأن قائلا قال : ما قال لهم ؟ فقيل :
قالَ
ما قال إخوانه من الأنبياء في البداءة بأصل الدين :
يا قَوْمِ
مستعطفا لهم مظهرا غاية الشفقة
اعْبُدُوا اللَّهَ
أي الملك الأعلى غير مشركين به شيئا لأنه واحد
ما لَكُمْ
وأغرق في النفي فقال :
مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
فلقد اتفقت - كما ترى - كلمتهم واتحدت إلى اللّه وحده دعوتهم ، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعا من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم ؛ قال الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه « رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية » في ذكر الأنبياء : اتحدت مصادرهم كأنهم بنيان مرصوص ، عبروا بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط بعالمي الشهادة والغيب ، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة ، فما ضر اختلافهم في الفروع مع اتحادهم في الأصول ، وقال قبل ذلك : إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة ، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
[ الحشر : 14 ] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم الملك والشهادة ، ولم يدخل