وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلا سمينا شابا فدفعه إلى الغلام وأمر بتعجيل صنعته وأخذ سمنا ولبنا والعجل الذي صنع له أيضا فقربه إليهم ، وكان هو واقفا بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له : أين سارة امرأتك ؟ فقال : في الخيمة ، فقال له : إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ولها منك ابن ، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها ، وكان إبراهيم وسارة قد شاخا وقدم سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء ، فضحكت سارة في قلبها وقالت : أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي قد شاخ ؟ فقال اللّه لإبراهيم : لم ضحكت سارة وقالت : أنى لي بالولد وقد شخت ؟ أيعسر هذا على اللّه ؟ إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن ، فجحدت سارة وقالت : كلا ما ضحكت ، لأنها فزعت ، فقال : كلا ! ولكنك قد ضحكت ، ثم قام الرجال وتعمدوا طريق سدوم وعامورا ، وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم . وقال اللّه : أأكتم عبدي إبراهيم شيئا مما أصنع ؟ وإبراهيم يكون رئيسا لشعب عظيم كبير ، وتتبارك به شعوب الأرض ، لأني عالم أنه يوصي بنيه وأهل بيته من بعده أن يحفظوا طرق الرب ليعملوا بالبر والعدل ، لأن الرب يكمل لإبراهيم جميع ما وعده به .
فقال الرب لإبراهيم : لقد وصل إليّ حديث سدوم وعامورا وقد كثرت خطاياهم جدا ، ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم ، وكان إبراهيم بعد واقفا قدام الرب ، فدنا إبراهيم وقال : يا رب ! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد ؟ إن كان في القرية خمسون بارا أتهلكهم بغضب واحد ؟ حاشاك يا رب أن تصنع هذا الصنيع وتهلك البريء مع السقيم ، ويكون البريء بحال السقيم ، حاشا لك يا حاكم الأرض كلها ! لا يكون هذا من صنيعك ! فقال الرب : إن وجدت بسدوم خمسين بارا في القرية عفوت عن جميع البلد من أجلهم ، فأجاب إبراهيم وقال : إني قد بدأت بالكلام بين يدي الرب ، وإنما أنا تراب ورماد ، فإن نقص من الخمسين بارا خمسة تخرب القرية كلها من أجل الخمسة ؟ فقال :
لا أخربها إن وجدت بها خمسة وأربعين بارا ، فعاد إبراهيم وقال له : فإن وجد فيها أربعون ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت فيها أربعين ، فقال : لا يمكن الرب كلامي فأتكلم ، فإن كان هناك ثلاثون ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين ، فقال : إني قد أمعنت في الكلام بين يدي الرب ، فإن وجد بها عشرون ؟ فقال : لا أخربها من أجل العشرين ، فقال لانشقن على الرب ، فأتكلم هذه المرة يا رب فقط ، فإن وجد بها عشرة رهط ؟
فقال : لا أفسدها من أجل العشرة ؛ فارتفع استعلان الرب عن إبراهيم لما فرغ إبراهيم من كلامه ورجع إبراهيم إلى موضعه - انتهى . وقد مضى أمر حبل سارة وولادها في البقرة .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 556
مساهمون: ابراهيم بن عمر البقاعي
ص٥٥٦