تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
ومع الطيور والدواب ومع كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك . وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضا بماء الطوفان ولا يهبط الطوفان أيضا ليفسد جميع الأرض ، قال اللّه لنوح : هذه علامة لعهدي الذي أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم ، قد أظهرت قوسي في السحاب فهي أمارة ذكر العهد الذي بيني وبينك وبين أهل الأرض ، فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينكم ، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من التابوت سام وحام ويافث ، وحام يكنى أبا كنعان ، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح ، وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها ؛ ثم ذكر أن نوحا عليه السّلام نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك لأخويه ، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما ، فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا عليه أن يكون عبدا لأخويه ، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة ، ثم توفي عليه الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ؛ ثم ذكر أن الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحا لاحقا بالسماء ، واجتمع جميعهم على ذلك لأن لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق اللّه ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها ، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه بالعبراني : الشتات ، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - بضمهما كما في القاموس - كان في زمن نوح وسلم من الطوفان ، وأن الماء لم يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
[ هود : 37 ] وقوله :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
وقوله :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] ونحوها ، فإن كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليه السّلام قتله كافرا .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 49 إلى 52 ]

تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( 49 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( 50 ) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 ) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 ) ولما تمت هذه القصة على النحو الوافي ببيان اجتهاد نوح عليه السّلام في إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار ، وكانت مع ذلك دالة على علم تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام ، فهي على إزالة اللبس عن أمره صلّى اللّه عليه وسلّم
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 540 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي