تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها . فليحمد اللّه من أخر عنه العذاب ولا يقل ما « يحبسه » لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو من بعدهم
وَاسْتَوَتْ
أي استقرت واعتدلت السفينة
عَلَى الْجُودِيِّ
إشارة باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى ، وما بقي إلا الجود بالماء والخير والخصب والرحمة العامة ، وهو الجبل بالموصل بعد خمسة أشهر ؛ قال قتادة : استقلت بهم لعشر خلون من رجب وكانت في الماء خمسين ومائة يوم ، واستقرت بهم على الجودي شهرا ، وهبط بهم يوم عاشوراء
وَقِيلَ
أي إعلاما بهوان المهلكين والراحة منهم
بُعْداً
هو من بعد - بالكسر مرادا به البعد من حيث الهلاك ، فإن حقيقته بعد بعيد لا يرجى منه عود ، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ، وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والاختصاص
لِلْقَوْمِ
أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما يحاولونه ما لا يعلمه إلا اللّه
الظَّالِمِينَ *
أي العريقين في الظلم ، وهذه الآية تسع عشرة لفظة فيها أحد وعشرون نوعا من البديع - عدها أبو حيان وقال : وروي أن أعرابيا سمعها فقال : هذا كلام القادرين . وذكر الرماني عدة من معانيها ، منها إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير معاناة ولا لغوب ، ومنها حسن تقابل المعاني ، ومنها حسن ائتلاف الألفاظ ، ومنها حسن البيان في تصوير الحال ، ومنها الإيجاز من غير إخلال ، ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال ؛ والبلع : إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف ؛ والإقلاع : إذهاب الشيء من أصله حتى لا يبقى له أثر ؛ والغيض : غيبة الماء في الأرض على جهة النشف وإبراز الكلام على البناء للمفعول أدل على الكبرياء والعظمة للفاعل للإشارة إلى أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال غيره ، ونقل الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاما أغلى من الجوهر .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) ولما كان الاستثناء من أهله في قوله :
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
يجوز أن يراد به امرأته فقط ، فتكون نجاة ابنه جائزة ، وكان ما عند الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام من فرط الشفقة على الخلق لا سيما الأقارب يحملهم على السعي في صلاحهم ما كان
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 534 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي