تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه ، كان موضع أن يسأل عن حال المؤمنين فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
أي أوجدوا هذه الحقيقة
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
ولما كان حاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة ، وصف المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال :
وَأَخْبَتُوا
أي خشعوا متوجهين منقطعين
إِلى رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والإبصار . ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله :
أُولئِكَ
أي العالو الرتبة
أَصْحابُ الْجَنَّةِ
ولما كانوا مختصين بها أو بالخلود من أول الأمر ، أعاد الضمير فقال :
هُمْ فِيها
أي خاصة لا في غيرها
خالِدُونَ .
ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم ، ضرب للكل مثلا بقوله :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ
أي الكافرين والمؤمنين ، وهو من باب اللف والنشر المرتب ، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولا
كَالْأَعْمى
أي العام العمى في بصره وبصيرته
وَالْأَصَمِّ
في سمعه كذلك ، فهذا للكافرين
وَالْبَصِيرِ
بعينه وقلبه
وَالسَّمِيعِ
على أتم أحوالهما ، وهذا للمؤمنين ، وفي أفراد المثل طباق أيضا
هَلْ يَسْتَوِيانِ
أي الفريقان
مَثَلًا
أي من جهة المثل . ولما كان الجواب قطعا لمن له أدنى تأمل : لا يستويان مثلا فلا يستويان ممثولا ، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله :
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم ، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
الآية ؛ والإخبات : الخشوع المستمر على استواء فيه ، وأصله الاستواء من الخبت ، وهو الأرض المستوية الواسعة ، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتا ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه ؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول ، والأمثال لا تغير عن صورتها . ولما تم ذلك على أوضح المسالك ، وختم بالحث على التذكر ، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركا لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل ، عطف - مقرونا بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله : ألا
تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
أو على قوله :
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
وهو أحسن وأقرب - قوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا
أي بما لنا من العظمة
نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
أي الذين هم على لسانه ؛ وما بعد ذلك من القصص تقريرا لمضمون هذا المثل وتثبيتا وتسلية وتأييدا وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصا