تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
والنهار ، أو يكون ذلك من لوازم القطع كما يأتي ؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم ، ويلزم الظن الفصل بين الأشياء ، ومنه جرام النخل لصرامها ؛ والجمرة : الحصاة ، فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار ، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم ، وهو يرجع أيضا إلى نفس القطع ، فإنه قطع النفس عما كانت عليه ، ويلزم الفصل القذف والعيب ؛ والرماج كسحاب : كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض ، والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه ، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة في الكلام والعزيمة ، ومنه المرجام للماد عنقه في السير من الإبل ، وأجمر : أسرع في السير ، وقد يلزم الظن الحيرة ، ومنه حديث مرجم كمعظم : لا يوقف على حقيقته ، فيلزم حينئذ الذنب والفساد والقلق والاضطراب ، ومنه أمرج العهد : لم يف به ، أي جعله مارجا مزلزلا ، وعلى الاضطراب تدور مادة « مرج » بخصوص هذا الترتيب ، أو الترميج : إفساد سطور بعد كتبتها ، ويلزم الظن الاختلاط ، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب ، وأجرم الدم به : لصق ، والإجرام : متاع الراعي ، أو هي من الكسب ، والجرام كرمان : السمك ؛ والمرج : موضع الرعي ، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل ، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقا فيعدل إليه ، فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى « لا جرم » أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم ، ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفيا لجميع ما يقابله إلّا العلم الذي هو بمعنى القطع كما إذا قيل : لا شك في كذا ولا ريب ، فاتضح أن تفسيرهم لها ب « حقا » تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع ، وإليه يرجع تفسير سيبويه بلا حق لأنه يريد - واللّه أعلم - أن لا صلة ، وموضوعها في الأصل النفي ، فهي نافية لضد ما دخلت عليه ، فكأنه قيل : حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده ، فهذا وجه كونها صلة مؤكدة ، وقريب من ذلك ما قيل في « إنما » نحو إنما زيد قائم ، أي أن زيدا قائم ، ما هو إلّا كذلك ، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد - واللّه الموفق .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 23 إلى 27 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 ) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 )