ولما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السّلام أخبر بإجابته بقوله مستأنفا :
قالَ
ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة ، افتتحه بحرفه فقال :
قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما
والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة الدلالة على الفاعل بالاستدلال ، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السّلام مع موسى عليه السّلام في هذا الدعاء ، لأنه معه كالشئ الواحد لا خلاف منه له أصلا وإن كان غائبا ، وذلك كما بايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن عثمان رضي اللّه عنه في عمرة الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في حاجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره وكان غائبا . « 1 » .
ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة ، سبب عن ذلك قوله :
فَاسْتَقِيما
أي فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع لربكما كما أن نوحا عليه السّلام ثبت على ذلك وطال زمنه جدا واشتد أذاه ولم يضجر ؛ ولما كان الصبر شديدا . أكد قوله :
وَلا تَتَّبِعانِّ
بالاستعجال أو الفترة عن الشكر
سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ *
ولما أمر بالتأني الذي هو نتيجة العلم ، عطف على ذلك الإخبار بالاستجابة قوله :
وَجاوَزْنا
أي فعلنا بعظمتنا في إجازتهم فعل المناظر للآخر المباري له ، ودل بإلصاق الباء بهم على مصاحبته سبحانه لهم دلالة على رضاه بفعلهم فقال :
بِبَنِي إِسْرائِيلَ
أي عبدنا المخلص لنا
الْبَحْرَ
إعلاما بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ما وعد فأهلك فرعون وملأه باتباعهم سبيل من لا يعلم بطيشهم وعدم صبرهم ، ونجى بني إسرائيل بصبرهم وخضوعهم ؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في هذه المجاوزة ومقدماتها ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء الأحكام ؛ وبين سبحانه كيفية إظهار استجابة الدعوة بقوله مسببا عن المجاوزة :
فَأَتْبَعَهُمْ
أي بني إسرائيل
فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ
أي أوقعوا تبعهم أي حملوا نفوسهم على تبعهم ، وهو السير في أثرهم ، واتبعه - إذا سبقه فلحقه ، ويقال : تبعه في الخير واتبعه في الشر . ولما أفهم ذلك ، صرح به فقال :
بَغْياً
أي تعديا للحق واستهانة بهم
وَعَدْواً
أي ظلما وتجاوزا للحد .
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3130 و 3698 و 4066 والترمذي 3709 وأبو يعلى 5599 وأحمد 2 / 101 و 120 والبيهقي في الدلائل 3 / 311 من حديث ابن عمر .
وفيه : « وأما تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت مريضة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ، وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده اليمنى : هذه يد عثمان . . . » .