تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
مع ما فيه من الفخامة - على أنه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذابا كما كان على قوم نوح عليه السّلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين ، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء ، وتارة مفرقة مبطلة لها ، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح ، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف ، وتارة تكون طيبة وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة ؛ ثم غيّ الإرسال بقوله :
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً
أي حملتها لقلتها عندها لخفتها عليها
ثِقالًا
أي بالماء ؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق الأمر بالوصف ، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعا كأنه قطعة واحدة ، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لا ختل أمره ، فقال :
سُقْناهُ لِبَلَدٍ
أي لأجله وإليه
مَيِّتٍ
أي بعدم النبات
فَأَنْزَلْنا
أي بما لنا من العظمة
بِهِ
أي بالبلد ، أو بسبب ذلك السحاب
الْماءَ
أي هذا الجنس ، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال :
فَأَخْرَجْنا بِهِ
أي بالماء
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي الحقيقية على الأشجار ، والمجازية من النبات وحبوبه . ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلا ثانيا في غاية الدلالة على القدرة على البعث ، قال تعالى :
كَذلِكَ
أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن
نُخْرِجُ الْمَوْتى
أي من الأرض بعد أن صاروا ترابا
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *
أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجى تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام ، لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في الأرض وصار ترابا ، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها ، فهو قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة ، لأنه لا فرق بين الإخراجين .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) ولما كانت الموت موتين : حسيا ومعنويا - كما أشير في الأنعام في آية
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
[ الأنعام : 36 ]
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] كان كأنه قيل : لا فرق في ذلك عندنا بين أموات الإيمان وأموات الأبدان ، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيدا وبعضها رديئا كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيبا وبعضها خبيثا ، فالجيد العنصر يسهل