تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الاحتباك : آخرها يدل على حذف ضده من صدرها ، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر : ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين . ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضيا للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله :
وَلا تُفْسِدُوا
أي لا تدفعوا فسادا
فِي الْأَرْضِ
أي بالشرك والظلم ، فهو منع من إيقاع ماهية الإفساد في الوجود ، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل ، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال
بَعْدَ إِصْلاحِها
والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول ، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقا بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله
يُغْشِي اللَّيْلَ
و
النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان ، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسّلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول والإبقاء الأول . ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف ، نفى ذلك بقوله :
وَادْعُوهُ خَوْفاً
أي من عدله ؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه ، عبر بالطمع فقال :
وَطَمَعاً
أي في فضله ، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن ، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته ، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلا للرحمة
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة ، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبويه ، فقال :
قَرِيبٌ
وكان الأصل : منكم ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :
مِنَ الْمُحْسِنِينَ * .
ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا بالغيث ، وهو من أجلّ أنواع الرحمة ، وهو لا يكون إلا بالسحاب ، وهو لا يكون إلا بالريح ، قال تعالى عاطفا على
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
تنبيها بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد :
وَهُوَ
أي لا غيره
الَّذِي يُرْسِلُ
أي بالتحريك
الرِّياحَ
هذا في قراءة الجماعة ، وأنواعها خمس : جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء ، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين ، ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس
بُشْراً
بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة ، أي منتشرة جمع نشور من النشر ، وهو بسط ما كان مطويا ، وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتها إلى الهواء واحدة
بَيْنَ يَدَيْ
أي قبل
رَحْمَتِهِ
أي المطر ، ولعله عبر فيه باليدين : اليمنى واليسرى ، لدلالته -