كما رواه البخاري في التفسير عن سمرة رضي اللّه عنه ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة للاعتراف بقبولها بقوله :
عَسَى اللَّهُ
أي بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال
أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
فإن
عَسَى
منه سبحانه وتعالى واجبة لأن هذا دأب الملوك ولعل التعبير بها يفيد - مع الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد شيء وأن كل إحسان يفعله فإنما هو على سبيل الفضل إشارة إلى أنهم صاروا كغيرهم من خلص المؤمنين غير المعصومين في مواقعة التقصير وتوقع الرحمة من اللّه بالرجوع بهم إلى المراقبة ، فكما أن أولئك معدودون في حزب اللّه مع هذا التقصير المرجو له العفو فكذلك هؤلاء ؛ ثم علل فعله بهم مرجيا للمزيد بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
أي ذا الجلال والإكرام
غَفُورٌ رَحِيمٌ *
أي لم يزل موصوفا بقبول المعرض إذا أقبل وإبدال سيئه بحسن فضلا منه وإكراما ؛ روى البخاري في صحيحه في التفسير عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لنا : « أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء ، قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر ، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي : هذه جنة عدن ، وهذاك منزلك ، قالا : أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عفا اللّه عنهم » « 1 » .
ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم تطهيرا لهم وتطييبا لقلوبهم بقوله :
خُذْ
ورحمهم بالتبعيض فقال :
مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
أي تطيب أنفسهم بإخراجها
تُطَهِّرُهُمْ
أي هي من ذنوبهم وتجري بهم مجرى الكفارة
وَتُزَكِّيهِمْ
أي أنت تزيدهم وتنميهم
بِها
بتكثير حسناتهم
وَصَلِّ
أي اعطف
عَلَيْهِمْ
وأظهر شرفهم بدعائك لهم ؛ ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّ صَلاتَكَ
أي دعواتك التي تصلهم بها فتكون موصلة لهم إلى اللّه
سَكَنٌ لَهُمْ
أي تطمئن بها قلوبهم بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب لما يعلمون من أن القبول لا يكون إلا ممن حصل له الرضى عنهم ومن أن اللّه يسمع قولك إجابة لك ويعلم صدقك في صلاحهم
وَاللَّهُ
أي المحيط بكل شيء
سَمِيعٌ عَلِيمٌ *
أي لكل ما يمكن أن يسمع وما يمكن أن يعلم منك ومنهم ومن غيركم ، فهو جدير بالإجابة والإثابة ، وذلك أن هذا الصنف لما اشتد ندمهم على التخلف أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم فقيل :
هامش
( 1 ) هو الحديث المتقدم .