المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة لأنها غاية مستقصاة جامعة لأكثر أقسام العدد ، وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء .
ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم ، وكان حقيقة نظم الآية التخيير في الاستغفار وتركه ونفي المغفرة بالاستغفار بالعدد المحصور في سبعين ، جعل صلّى اللّه عليه وسلّم الآية مقيدة لما في سورة المنفقين فاستغفر لابن أبيّ وصلى عليه وقام على قبره وصرح بأنه لو يعلم أنه لو زاد على السبعين قبل لزاد « 1 » ، واستعظم عمر رضي اللّه عنه ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم وشرع يمسكه بثوبه ويقول : أتصلي عليه وقد نهاك اللّه عن ذلك ! لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين ، وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليقة من جميل الطريقة بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من الفوائد وجليل العوائد ، ولذلك كان عمر رضي اللّه عنه يقول لما نزل النهي الصريح : فعجبت بعد من جراءتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أي تفطنت بعد هذا الصريح أن ذلك الأول كان محتملا وإلا لأنكر اللّه الصلاة عليه ، وفي موافقة اللّه تعالى لعمر رضي اللّه عنه منقبة شريفة له ، وقد وافقه اللّه تعالى مع هذا في أشياء كثيرة ، روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : لما توفي عبد اللّه بن أبيّ جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه رضي اللّه عنه - إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ؛ وفي رواية في اللباس ، فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت فآذنا ، فلما فرغ آذنه فجاء ، وفي رواية : فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! تصلي عليه وقد نهاك اللّه أن تصلي عليه ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما خيرني اللّه فقال :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً
وسأزيده على السبعين ؛ وفي رواية ؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها ، قال : إنه منافق ، فصلى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : فأنزل اللّه عز وجل
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
إلى
وَهُمْ فاسِقُونَ
فترك الصلاة عليهم ، قال : فعجبت بعد من جراءتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه ورسوله أعلم « 2 » : وله في أواخر الجهاد عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال : لما كان يوم بدر أتي بالأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قميصا فوجدوا قميص عبد اللّه بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياه ، فلذلك نزع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قميصه
هامش
( 1 ) انظر الحديث الآتي .
( 2 ) أخرجه البخاري 4670 و 4672 ومسلم 2400 و 2774 من حديث ابن عمر .