عليهم ، ورهبهم بأنه لا مرد لما يريد من العذاب بقوله :
فَإِنْ يَتُوبُوا
ولما كان المقام جديرا بأن يشتد تشوف السامع إلى معرفة حالهم فيه ، حذف نون الكون اختصارا تنبيها على ذلك فقال :
يَكُ
أي ذلك
خَيْراً لَهُمْ
من إصرارهم .
ولما كان للنفوس من أصل الفطرة الأولى داعية شديدة إلى المتاب ، وكان القرآن في وعظه زاجرا مقبول العتاب عظيم الأخذ بالقلوب والعطف للألباب ، أشار إلى ذلك بصيغة التفعل فقال :
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا
أي يكلفوا أنفسهم الإعراض عن المتاب
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بحوله وقوته
عَذاباً أَلِيماً
أي لا صبر لهم عليه
فِي الدُّنْيا
أي بما هم فيه من الخوف والخزي والكلف وغيرها
وَالْآخِرَةِ
أي بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه
وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
أي التي لا يعرفون غيرها لسفول هممهم
مِنْ وَلِيٍّ
أي يتولى أمورهم فيصلح ما أفسد العذاب منهم أو يشفع لهم
وَلا نَصِيرٍ *
أي ينقذهم ؛ وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها بشيء ناصر أو غيره وأغلظ أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما لها من العجائب وما بها من الجنود ؛ وسبب نزول الآية على ما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان جالسا في ظل شجرة فقال : سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا باللّه : ما قالوا ، فأنزل اللّه الآية ؛ « 1 » وقال الكلبي : نزلت في الجلاس بن سويد ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال الجلاس : لئن كان محمدا صادقا لنحن شر من الحمير ، فسمعه عامر بن قيس فقال : أجل ، إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير ، فلما انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قاله الجلاس ، فقال الجلاس : كذب عليّ يا رسول اللّه ! فأمرهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف باللّه الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد كذب علي عامر ، وقام عامر فحلف باللّه الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه ، ثم رفع عامر رضي اللّه عنه يديه إلى السماء فقال : اللهم ! أنزل على نبيك تصديق الصادق منا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون : آمين ! فنزل جبريل عليه السّلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ
فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ
أي التوب
خَيْراً لَهُمْ
فقام الجلاس فقال : يا رسول اللّه ! أسمع اللّه قد عرض عليّ التوبة ، صدق عامر بن قيس فيما قاله ، لقد قلته ،
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في الدر 3 / 463 ونسبه إلى ابن جرير والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه من حديث ابن عباس .