تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الماضين وما اختصه اللّه به من سعة القرآن العظيم ، فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب ؛ واللّه سميع عليم - انتهى .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 47 ]

لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) ولما فاته صلّى اللّه عليه وسلّم معرفتهم بهذا الطريق ، شرع العالم بما في الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك ، فقال على طريق الجواب للسؤال :
لا يَسْتَأْذِنُكَ
أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
أي يجددون الإيمان كل وقت حقا من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب
أَنْ
أي في أن
يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموما عليه فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه ، فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون : لا نستأذنه صلّى اللّه عليه وسلّم أبدا في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأيّ فائدة في الاستئذان ! ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا ، وكانوا بحيث لو أمرهم صلّى اللّه عليه وسلّم بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي رضي اللّه عنه في غزوة تبوك حتى قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى » « 1 » ! ولما كان التقدير : فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار اللّه ، عطف عليه قوله :
وَاللَّهُ
أي الذي له الإحاطة الكاملة
عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ *
أي الذين يخافون اللّه كلهم . ولما أخبر بالمتقين ، عرف بغيرهم على وجه الحصر تأكيدا لتحقيق صفة العلم بما أخبر به سبحانه ، فصار الاستئذان منفيا عن المؤمنين مرتين ، فثبت للمنافقين على أبلغ وجه
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ
أي في مثل ذلك فكيف بالاستئذان في التخلف !
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
أي يتجدد لهم إيمان
بِاللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي له نهاية العظمة إيمانا مستجمعا للشرائط
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وإن ادعوا ذلك بألسنتهم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4416 و 3706 ومسلم 2404 والترمذي 3724 وابن ماجة 115 و 121 والبيهقي 9 / 40 وابن حبان 6927 وأحمد 1 / 177 من حديث سعد بن أبي وقاص .