تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
قد علم أنه لا بد لأمته من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون كلهم على سنة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ حكم السطوة فيهم فأخذهم اللّه بذنوبهم
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ
[ العنكبوت : 40 ] ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
[ يونس : 91 ]
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ
[ الأنبياء : 13 ] وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله حين لا ينفعه
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
[ الأنبياء : 95 ]
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ يونس : 98 ] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم عليه السّلام عزما على هلاكهم ، أظهر تعالى رحمة عليهم ، ولما ملأ نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة لأمته : كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم ، أشار بآي من إظهار مؤاخذتهم وأعلم بكف نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأنفال : 64 ] وكل ذلك معلوم عنده صلّى اللّه عليه وسلّم قبل وقوعه بمضمون قوله تعالى :
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ
[ الفتح : 23 ] ،
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
[ يونس : 94 ] ،
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
[ الحجر : 12 - 13 ] ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزل عليه
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
[ يونس : 94 ] : « أما أنا فلا أشك ولا أسأل » « 1 » ، لأنه قد علم جملة أمر اللّه في أن منهم من يتداركه الرحمة ومن يحق عليه كلمة العذاب ، ولكنه لا يزال ملتزما لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
[ عبس : 1 - 12 ] ونحو قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأنفال : 67 - 69 ] فهذه الآي ونحوها يسمعها العالم بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل نبي الملحمة من جملة أمداح القرآن له والشهادة له بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي الرحمة ثباتا على الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت لحكم الحق وإظهار العدل ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم بكل القرآن ممدوح وموصوف بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في الدر 3 / 571 ( يونس : 94 ) ونسبه لعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة مرسلا .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 326 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي