ولما أوعز سبحانه في أمر الجهاد ، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه ، عاتبهم اللّه سبحانه على تخلفهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن أمره سبحانه ، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع ، فقال تعالى على سبيل الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [ لأن من لا هداية له أعمى ، والأعمى لا يخشى ] :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي ادعوا ذلك
ما لَكُمْ
أي ما الذي يحصل لكم في أنكم
إِذا قِيلَ لَكُمُ
أي من أيّ قائل كان
انْظُرُوا *
أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات ووحدانا إمدادا لحزب اللّه ونصرا لدينه تصديقا لدعواكم الإيمان ، والنفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي بسبب تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع صفات الكمال ، وقال أبو حيان : بني « قيل » للمفعول والقائل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يذكر إغلاظا ومخاشنة لهم وصونا لذكره إذ أخلد إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى .
اثَّاقَلْتُمْ
أي تثاقلتم تثاقلا عظيما ، وفيه ما لم يذكروا له سببا ظاهرا بما أشار إليه الإدغام إخلادا وميلا
إِلَى الْأَرْضِ
أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها ، فكنتم أرضيين في سفول الهمم ، لا سمائيين بطهارة الشيم .
ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقا بها والإعراض عن الغنى الموعود به الذي ربما يلزم من الإعراض عنه التكذيب ، فيؤدي إلى خسارة الآخرة ، هذا مع ما يلزم على ذلك - ولا بد - من الزهد في الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس ؛ قال مبينا خسة ما أخلدوا إليه تزهيدا فيه