فوفق اللّه عز وجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجته التي حج ذا الحجة ، فحج فيها فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » ، فقلت لابن أبي نجيح : فكيف بحجة أبي بكر وعتاب بن أسيد ؟ فقال : على ما كان الناس يحجون عليه ، ثم قال ابن أبي نجيح : كانوا يحجون في الحجة ثم العام المقبل في المحرم ثم صفر حتى يبلغوا اثني عشر شهرا - انتهى . وقوله هذا يوهم أن في حج أبي بكر وعتاب رضي اللّه عنهما اختلالا ، وتقدم عن المهدوي وغيره التصريح بأنه كان في ذي القعدة - وفيه نظر ، لأن السنة التي حج فيها أبو بكر رضي اللّه عنه نودي فيها بتحريم النسيء وغيره من أمور الجاهلية ، فلا شك أنه لم يكن في ذلك العام إنساء ، ولما مضى من الشهر الذي حج فيه عشرة أشهر ، وكان الحادي عشر وهو ذو القعدة سار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أواخره إلى الحج موافيا لهلال ذي الحجة ، فلما وقف بعرفة أخبر أن الزمان قد استدار ، فعلم قطعا أن استدارته كانت في حجة أبي بكر ، وكذا في سنة ثمان وهي السنة التي حج فيها عتاب بالمسلمين ، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه عنهم لم يكونوا يعتبرون حساب أهل الجاهلية لا نسأتهم ولا غير نسأتهم ، لأنه يلزم من القول بأنهم اعتبروا أمر النسأة أنهم اعتبروا ما هو زيادة في الكفر ، وهذا ما لا يقوله ذو مسكة ، وقد تقدم النقل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل أبا بكر رضي اللّه عنه إلى الحج في أواخر ذي القعدة أو بعد انقضائه من سنة تسع ، ووافاه العرب في ذي الحجة : الكفار وغيرهم ، فوقع إعلامهم ببراءة في أيام الحج وأماكنه ، فلو كان حصل في سنة عتاب اختلال في ذي القعدة بنسيء لكان ذو الحجة بحساب الكفار وهو المحرم بحساب الإسلام ، فكان يتأخر مجيء الكفار للحج عن مجيء المسلمين ، فثبت بهذا أيضا أن حجه رضي اللّه عنه كان في ذي الحجة ، فحفظ اللّه أهل الإسلام من أن يقع في حجهم اختلال في سنة من السنين ، وما هي بأول نعمة عليهم - واللّه الموفق ؛ وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المشهور بابن القاص من أكابر متقدمي أصحاب الشافعي رحمه اللّه في كتابه دلائل القبلة في باب معرفة عدد أيام السنة : فالسنة اثنا عشر شهرا بالأهلة ، وربما كان الشهر ثلاثين وربما كان تسعا وعشرين ، فمبلغ السنة الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثماني ساعات وأربعة أخماس ساعة ، وقالت الهند : السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وست ساعات وخمس ساعة وجزء من أربعمائة جزء من ساعة ، وذلك من دخول الشمس برأس الحمل إلى أن تدخل فيه من قابل ، ففضل ما بين السنة الهلالية والسنة الشمسية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة ، فإذا زيدت عليها هذه الساعات والأيام استقام حسابه مع دوران الشمس ، وكانت العرب تزيده في الجاهلية ، وكان الذي أبدع لهم ذلك
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 312
مساهمون: ابراهيم بن عمر البقاعي
ص٣١٢