الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
أي كلكم في ذلك سواء ، في الائتلاف واجتماع الكلمة
كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة ، لا أنهاكم عن قتالهم في شهر منها ، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره إن اتقيتم اللّه ، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن اللّه يكون معكم
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
أي الذي له جميع العظمة معكم ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعليقا للحكم به وتعميما فقال :
مَعَ الْمُتَّقِينَ *
أي جميعهم ، وهم الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم ، لا على النسيء ونحوه ، ومن كان اللّه معه نصر لا محالة .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 37 ]
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 37 )
ولما فهم من هذا إبطال النسيء لأنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه ، كان كأنه قيل : أفما في النسيء تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة اللّه بالقتال في الشهر الذي حرمه ؟ وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات وحروب ، وكانوا يحترمون الأشهر الحرم عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا مانع منه لم يعرض له ، فكان إذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم تركه ، وكان يشق عليهم ترك ذلك ثلاثة أشهر متوالية ، فجعلوا النسيء لذلك ، فقيل تصريحا بما أفهمه ما مضى : ليس فيه شيء من ذلك :
إِنَّمَا النَّسِيءُ
أي تأخير الشهر إلى شهر آخر على أنه مصدر نسأ نسيئا - إذا أخره ، أو هو اسم مفعول ، أي الشهر الذي تؤخر العرب حرمته من الأشهر الحرم عن وقتها
زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
أي لأنه على خلاف ما شرعه اللّه ، وفيه ستر تحريم ما أظهر اللّه تحريمه .
ولما بين ما في النسيء من القباحة ، تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية ، فإذا هم بتحليله قد صاروا خارجين عن دائرتها بمراحل لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد الحل بتحليل ذلك الذي اعتقدوه ربا ، فكان يقول : إني لا أجاب ولا أعاب ، وإنه لا مرد لقضائي ، وإني حللت المحرم وحرمت صفرا - إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يليق إلا بالإله ؛ وذلك معنى قوله تعالى بيانا لما قبله :
يُضَلُّ بِهِ
أي بهذا التأخير الذي هو النسيء
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه اللّه - هذا على قراءة الجماعة والمعنى على قراءة حمزة والكسائي وحفص - بالبناء للمفعول : يضلهم مضل من قبل اللّه ، وعلى قراءة يعقوب - بالضم : يضلهم اللّه ؛ ثم بين ضلالهم بقوله :
يُحِلُّونَهُ
أي ذلك الشهر ، وعبر