عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم في الحلال والحرام
وَالْمَسِيحَ
أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسح بدهن القدس وأن يمسح غيره
ابْنَ مَرْيَمَ
أي اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنا فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن امرأة ، فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والتربية والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ومع تصريحه لهم بأنه عبد اللّه ورسوله ، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله .
ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم ، قبحه عليهم من جهة مخالفته لأمره تعالى فقال :
وَما
أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما
أُمِرُوا
أي من كل من له الأمر من أدلة العقل والنقل
إِلَّا لِيَعْبُدُوا
أي ليطيعوا على وجه التعبد
إِلهاً واحِداً
أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة ، وذلك معنى وصفه بأنه
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي لا يصلح أن يكون معه إله آخر ، فلما تعين ذلك في اللّه وكانت رتبته زائدة أبعد عما أشركوا به ، نزهه بقوله :
سُبْحانَهُ
أي بعدت رتبته وعلت
عَمَّا يُشْرِكُونَ *
في كونه معبودا أو مشرعا ؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي اللّه عنه قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي عنقي صليب من ذهب فقال :
اقطعه ، فقطعته ثم أتيته وهو يقرأ سورة براءة
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قلت : يا رسول اللّه ! إنا لم نكن نعبدهم ! قال : أجل . أليس كانوا يحلون لكم ما حرم اللّه فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل اللّه فتحرمونه ؟ قلت : بلى ، قال : تلك عبادتهم « 1 » .
ولما وهي سبحانه أمرهم من جهة استنادهم ، زاده توهية من جهة مرادهم بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما يقاتلون اللّه وأنه لا ينفذ غرضهم بل يريد غير ما يريدون ، ومن المقرر أنه لا يكون إلا ما يريد ، فقال مستأنفا أو معللا لما مضى من أقوالهم وأفعالهم :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا
أي بما مضى ذكره من أحوالهم
نُورَ اللَّهِ
أي دين الملك الأعلى الذي له الإحاطة العظمى ، وشرعه الذي شرعه لعباده على ألسنة الأنبياء
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3095 وابن جرير 16631 و 16633 وابن سعد وعبد بن حمير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والطبراني كما في الدر 3 / 230 من حديث عدي بن حاتم قال الترمذي : حديث غريب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث . غطيف ضعفه الدارقطني كما في الميزان اه لكن وثقه ابن حبان وفي الباب عن حذيفة موقوفا أخرجه الطبري 16634 فهو يقويه . - وقال ابن كثير في تفسيره 2 / 362 : رووه من طرق عن عدي مرفوعا ا ه .