باشروا جميع أفعال المهتدين ما عدا الإيمان ، ومن فعل ذلك منكم كان ظالما وخيف عليه سلب موجب الهداية .
ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيح ليشتد التشوف إلى التصريح فيكون أثبت في النفس وأوقر في القلب ، كان كأنه قيل : فمن الراجح ؟ فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا
أي أوقعوا هذا الفعل ، وهو إيمان المخاطب من أن يكذبوه بشيء مما يخبر به عن اللّه ، وقصر الفعل وهو في الأصل متعد ليفيد أنه لا إيمان غير هذا ، وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبة إليه ، وكذا كل فعل قصر فهو على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل من جنسه غيره
وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا .
ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد في سبيل اللّه ، اقتضى المقام تقديمه على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فإن المقام اقتضى هناك تقديم المال والنفس لما تقدم من موجبه في غير آية - كما سلف بيانه ، وأيضا ففي هذا الوقت كان المال قد كثر ، ومواضع الجهاد قد بعدت ، فناسب الاهتمام بالسبيل فلذا قدم
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي مخلصين له لأنه الملك الذي لا كفوء له ، ثم أتبعه قوله :
بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فصرح بالنفس ترغيبا في المباشرة بها
أَعْظَمُ دَرَجَةً
أي من جهة ارتفاع الدرجة ، وهي الفضيلة المقربة إلى اللّه .
ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه ، لا بما عند الناس ، قال تعالى :
عِنْدَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم من أهل السقاية وما معها من غير إيمان مدلول عليه بشواهده ، وإنما لم يذكر المفضل عليه ليفيد أن فضيلتهم على الإطلاق ، فيكون المفضل عليه من جملة المدلول عليه ، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وصعوبة المرام ؛ وأفهم هذا أن تلك الأفعال شريفة في نفسها ، فمن باشرها كان على درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم يباشرها ، ومن بناها على الأساس كان أعظم ؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال :
وَأُولئِكَ
أي العالو الرتبة
هُمُ
أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع الشرك
الْفائِزُونَ *
أي بالخير الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل من الخيرات ما فعل ، لأنهم ترقوا من العبدية إلى العندية .
ولما بين أن جزاء أولئك الخلود في النار ، بين ما لهؤلاء ، فقال مفسرا لفوزهم :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
أي المحسن إليم بهدايتهم واجتبائهم . وناهيك بهذه البشارة الدالة على علو مقامهم لأنها بلا واسطة ، وكون البشارة على قدر المبشر دال على أن هذه البشارة بشارة عظيمة لا نهاية لها ولا يحاط بمعرفة مقدارها
بِرَحْمَةٍ
أي عظيمة ، وزادها عظما بقوله :
مِنْهُ
وذلك إشارة إلى أنه لا نجاة بدون العفو ؛ ثم أخبر بأن الرحمة كما أثمرت