بسم اللّه الرحمن الرحيم
سورة براءة مدنية - آياتها مائة وتسع وعشرون
مقصودها معاداة من أعرض عما دعت إليه السورة الماضية من اتباع الداعي إلى اللّه في توحيده واتباع ما يرضيه ، وموالاة من أقبل عليه ، وأدل ما فيها على الإبلاغ في هذا المقصد قصة المخلّفين فإنهم - لاعترافهم بالتخلف عن الداعي بغير عذر في غزوة تبوك المحتمل على وجه بعيد منهم رضي اللّه عنهم للاعراض بالقلب - هجروا ، وأعرض عنهم بكل اعتبار حتى بالكلام ، فذلك معنى تسميتها بالتوبة ، وهو يدل على البراءة لأن البراءة منهم - بهجرانهم حتى في رد السّلام - كان سبب التوبة ، فهو من إطلاق المسبب على السبب ، وتسميتها ببراءة واضح أيضا فيما ذكر من مقصودها ، وكذا الفاضحة لأن من افتضح كان أهلا للبراءة منه ، والبحوث لأنه لا يبحث إلا عن حال البغيض ، والمبعثرة هو المنفرة والمثيرة والحفارة والمخزية والمهلكة والمشردة والمدمدمة والمنكلة ، لأنه لا يبعثر إلا حال العدو وكذا ما بعده ، والمشردة عظيمة المناسبة مع ذلك لما أشارت إليه الأنفال في
فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
[ الأنفال : 57 ] وسورة العذاب أيضا واضحة في مقصودها ، وكذا المقشقشة لأنهم قالوا : إن معناه المبرئة من النفاق ، من تقشقشت قروحه - إذا تقشرت للبرء ، وتوجيهه أن من عرف أن اللّه برئ منه ورسوله والمؤمنون لأمر فهو جدير بأن يرجع عن ذلك الأمر ، وعندي أيضا أنه مضاعف القش الذي معناه الجمع ، لأنها جمعت أصناف المنافقين وأحوالهم وعليه خرج قاسم ما في وصف أبي جهم بن حذيفة لمن أراد نكاحها : أخاف عليك قشقاشته ، أي تتبعه لمذاق الأمور ، أخذا من القش الذي هو تطلب المأكول من هاهنا وهاهنا ، أو عصاه التي هي غاية ذلك ، ومادة قش ومقلوبها شق ومضاعفهما قشقش وشقشق تدور على الجمع وتلازمه الفرقة فإنه لا يجتمع إلا ما كان مفرقا ولا يفرق إلا ما كان مجتمعا ، وقد اقتسم هذان المثالان المعنيين إلا قليلا ، فقش القوم : صلحوا وأحيوا بعد الهزال بجمع اللحم ، والرجل : أكل من هاهنا وهاهنا ولف ما قدر عليه مما على الخوان ، واضح في ذلك ،