تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
اللذين يعلمون أنهما من عند اللّه بصفته البينة كما تقدم بيانه عما عللوا عن تبديله منهما في البقرة عند
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ
[ البقرة : 124 ] وفي آل عمران عند
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
[ آل عمران : 33 ] وفي النساء عند
ما قَتَلُوهُ يَقِيناً
[ النساء : 157 ] وفي التوراة أيضا من ذلك في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس : وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم اللّه ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ولا يوجد فيكم من يطلب تعليم العرافين ، ثم قال : لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين ، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم اللّه ربكم ، بل يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي ، فأطيعوا ذلك النبي كما طلبتم إلى اللّه ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم : لا تسمع صوت اللّه ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت ، فقال الرب : ما أحسن ما تكلموا ، إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك ، أجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره به ، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه - انتهى . هكذا رأيته مترجما في بعض نسخ التوراة ، ثم رأيت السموأل بن يحيى المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم بل العلماء فقال : نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك ، به فليؤمنوا - انتهى . وهو يعني أن يكون هذا النبي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه من بني إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقلة لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا توقف لها عليها ، وذلك أن في العبارة كلمتين : مثل وإخوة ، وحقيقة الأخ ابن أحد الأبوين ، وهو لا يتأتى في أحد من أنبيائهم ، فأقرب المجاز إلى حقيقته الحمل على أخي الأب ، وهو إسماعيل عليه السّلام ، والشائع في الاستعمال في نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال : من أنفسهم ، لا من إخوتهم ، وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات ، وأخص صفات موسى عليه السّلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة ، ولم يأت منهم بعده من هو بهذه الصفة ، لأن عيسى عليه السّلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه السّلام إلا بعض الأحكام ، وعلى تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين : أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا بواسطة أمه ، فحق العبارة فيه : من بني أخواتهم - جمع أخت ، وإذا أريد آباء أمه كان المجاز فيهم أبعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم ، ولا ينتقل إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأقرب - واللّه أعلم . وقال السموأل بن يحيى أحد أحبارهم في سبب إسلامه : إن اليهود يقولون : إن هذه البشارة نزلت في حق سموأل أحد أنبيائهم الذين بعد موسى لأنه كان مثل موسى عليه السّلام في أنه من سبط لاوي ، وقال : إنه رأى سموأل عليه السّلام في المنام وأنه دفع إليه كتابا فوجد فيه هذه البشارة فقال له : هنيئا