الملك الأعظم خاصة
أَوْفُوا
وهذا يشمل كل ما على الإنسان وله ، فإن اللّه لم يهمل شيئا بغير تقدم فيه ؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله :
ذلِكُمْ
أي الأمر المعتنى به
وَصَّاكُمْ بِهِ
أي ربكم المحسن إليكم .
ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديدا على النفس العدل فيها لكونها شهوات ، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئا منها مع غيره يوشك أن يفعل معه مثله ، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *
أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم ، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم .
ولما قرر هذه الشرائع ، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل وفي غيرها ، فقال عاطفا على ما تقديره - عطفا على المنهيات وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة - : ولا تزيغوا عن سبيلي :
وَأَنَّ
أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح ، أي اتبعوه لذلك ، وعلى قراءة ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء
هذا
أي الذي شرعته لكم
صِراطِي
حال كونه
مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير .
ولما كان الأمر باتباعه متضمنا للنهي عن غيره ، صرح به تأكيدا لأمره فقال :
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد ، ولذا قال مسببا
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
أي تلك السبل الباطلة
عَنْ سَبِيلِهِ
ولما مدحه آمرا به ناهيا عن غيره مبينا للعلة في ذلك ، أكد مدحه فقال :
ذلِكُمْ
أي الأمر العظيم من اتباعه
وَصَّاكُمْ بِهِ .
ولما كان قد حذر من الزلل عنه ، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك ، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف ، قال :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل فيهلك ، وهذا كما مدحه سبحانه سابقا في قوله
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً
[ الأنعام : 126 ] ،
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
[ الأنعام : 126 ] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات ، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول ، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى .