تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
أنه لا يتقدر ، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل : انقضى القرن ، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله :
مَكَّنَّاهُمْ
أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال
فِي الْأَرْضِ
أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة
ما لَمْ نُمَكِّنْ
أي تمكينا لم نجعله
لَكُمْ
أي نخصكم به ، فالآية من الاحتباك أو شبهه ، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال ، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل ، ولا يبقى اللبس التعبير بالماضي في قوله
وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ
أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب
عَلَيْهِمْ .
ولما كان المراد المطر ، كان التقدير : حال كونه
مِدْراراً
أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر ، قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث . ولما ذكر نفعهم بماء السماء ، وكان غير دائم ، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال :
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي
ولما كان عموم الماء بالأرض وبعده مانعا من تمام الانتفاع بها ، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال :
مِنْ تَحْتِهِمْ
أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نبع منها من الماء ما يجري منه نهر . ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي ، فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم ، فكثرت زروعهم وثمارهم ، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلّا لهوانهم استدراجا لهم بقوله مسببا عن ذلك :
فَأَهْلَكْناهُمْ
أي بعظمتنا
بِذُنُوبِهِمْ
أي التي كانت عن بطرهم النعمة ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم . ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفا من الاحتياج إلى مثله ، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال :
وَأَنْشَأْنا
ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال :
مِنْ بَعْدِهِمْ
أي فيما كانوا فيه
قَرْناً
ودل على أنه لم يبق من المهلكين أحدا ، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله :
آخَرِينَ
ولم ينقص ملكنا شيئا ، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم ، وهذه الآية مثل آية الروم
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
[ الروم : 9 ] - الآية ، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك ، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة ، والإهلاك بالذنوب هو المراد بقوله
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
[ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين .